أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي
وسط تصاعد الحراك الدبلوماسي الإقليمي والدولي بشأن غزة، تدخل المنطقة مرحلة بالغة الحساسية مع اقتراب لحظة الحسم في المفاوضات التي تقودها واشنطن عبر مبادرة من 21 بنداً، يعمل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على تسويقها بوصفها فرصة “استثنائية” لتحقيق إنجاز تاريخي في الشرق الأوسط.
اللقاء المرتقب بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض اليوم الاثنين يوصف بالمفصلي، وسط أنباء عن إدخال تعديلات عربية جوهرية على المقترح الأميركي، من أبرزها اشتراط انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة على مرحلتين، وإدارة فلسطينية تكنوقراط بغطاء دولي، مع صيغة مخففة بشأن سلاح المقاومة تقوم على “وضعه” لا “نزعه”. هذه التعديلات التي دفعت بها مصر وقطر والسعودية والأردن، ووقّعت عليها قوى إسلامية وآسيوية كتركيا وإندونيسيا وباكستان، تعكس تبلور موقف إقليمي موحّد يوازن بين مطالب وقف الحرب وحقوق الفلسطينيين، في وقت يصر فيه نتنياهو على رفض إشراك السلطة الفلسطينية، ويواجه ضغوطاً متزايدة من شركائه في اليمين المتطرف.
في المقابل، تنفي حركة “حماس” تسلّمها أي مقترحات رسمية عبر الوسطاء، مؤكدة أن مطالبها وطنية جامعة، وأن أي حل لا يحفظ الحقوق الفلسطينية مصيره الفشل. ومع ذلك، تكشف التسريبات عن صراع مفتوح على “أذن ترامب”، بين العرب الذين يسعون لإدخال مرونة على الخطة تتيح مساراً نحو دولة فلسطينية مستقبلية، وبين إسرائيل التي ترفض أي التزامات قد تُضعف قبضتها الأمنية أو السياسية. هذا المشهد يعزّزه التوتر داخل الوفد الإسرائيلي في نيويورك، حيث تسود مخاوف من أن يفرض ترامب على نتنياهو خطة لا تتوافق مع الخطوط الحمراء لحكومته، خصوصاً في ظل انقسام داخلي إسرائيلي حول مصير الأسرى ومشروع قانون الإعدام بحق الفلسطينيين.
في موازاة ذلك، تتحرك قوى أوروبية، وعلى رأسها بريطانيا، لدعم اتفاق سلام يضع حداً لعامين من الحرب التي حصدت عشرات آلاف الأرواح ودفعت القطاع إلى مجاعة خانقة. وبينما يحاول أسطول دولي من عشرات السفن شق طريقه عبر المتوسط نحو غزة لكسر الحصار، يتزايد الضغط الشعبي والرسمي لإنهاء المأساة الإنسانية. هكذا يجد العالم نفسه أمام لحظة فارقة: إما فرض تسوية تُعيد تشكيل معادلات المنطقة، أو استمرار حرب مفتوحة تُهدد بتفجير أوسع صراع إقليمي..
ويشهد الملف الفلسطيني تصعيدًا دبلوماسيًا وسياسيًا متسارعًا مع اقتراب لقاء الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض. ترامب غرّد عبر منصته بأن هناك “فرصة حقيقية لتحقيق العظمة في الشرق الأوسط”، مؤكداً أن الاتفاق بشأن غزة بات قريبًا، بينما يعبر نتنياهو عن رفضه القاطع لقيام دولة فلسطينية، متعهدًا بمواصلة الحرب ضد حماس، رغم اعتراف دول غربية عدة بدولة فلسطين.
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس أوضح أن أهداف واشنطن ثلاثة: إطلاق سراح المحتجزين، ضمان إنهاء تهديد حماس لإسرائيل، وإدخال المساعدات إلى غزة. وبيّن أن مفاوضات معقدة تدور مع العرب والإسرائيليين لتحقيق هذه الأهداف. من جانبه صرح نتنياهو لشبكة “فوكس نيوز” أن وقف الحرب وإطلاق سراح الرهائن قد يمنح قادة حماس “خروجًا آمنًا”، لكنه أكد أن إشراك السلطة الفلسطينية في مستقبل غزة خط أحمر. كما أقرّ بأن حكومته لم تتفق على تفاصيل خطة ترامب، مجددًا حديثه عن الملف النووي الإيراني.
في المقابل، شددت حركة حماس على أنها لم تتلق أي مقترحات رسمية من الوسطاء، معتبرة أن ما يجري تداوله إعلاميًا غير رسمي. القيادي حسام بدران أكد أن الحركة تضع المصلحة الوطنية العليا فوق أي اعتبار، وأن مطالبها وطنية تتم بالتشاور مع الفصائل، مشددًا على رفض محاولات الانتقاص من الحقوق المشروعة. وأوضحت الحركة أن المفاوضات مجمدة منذ محاولة الاغتيال الفاشلة في الدوحة، لكنها أبدت استعدادها لدراسة أي مقترحات جدية تصلها عبر الوسطاء.
تقارير صحفية كشفت أن دولًا عربية مثل مصر وقطر والسعودية والأردن أدخلت تعديلات على المبادرة الأميركية، تتضمن انسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا وكاملًا من غزة، ونشر قوات دولية على الحدود فقط، وإدارة تكنوقراط فلسطينية للقطاع على أن تكون للسلطة صلة بها، إضافة إلى مجلس إشراف دولي. كما شملت التعديلات استبدال بند “نزع سلاح حماس” بـ”وضع السلاح”، وهو ما يعد تغييرًا جوهريًا. وأفادت مصادر أن ترامب تعهّد للعرب بعدم ضم الضفة أو غزة.
الصحافة الإسرائيلية تحدثت عن قلق وتوتر في أوساط نتنياهو قبيل لقائه بترامب، إذ تخشى تل أبيب من أن التعديلات العربية خففت من مطلب تفكيك سلاح حماس. “يديعوت أحرونوت” أشارت إلى أن نتنياهو يرفض الالتزام بالمبادرة بسبب بنود غير مقبولة، فيما يضغط المستوطنون على ضرورة ضم الضفة، رغم تعهد ترامب للعرب بعدم السماح بذلك. الصحيفة تحدثت عن “هستيريا” في محيط نتنياهو، مع مخاوف من ضغوط مباشرة من ترامب المصمم على إنهاء الحرب.
قنوات إسرائيلية لفتت إلى أن النقاش بين ترامب ونتنياهو سيركز على إشراك السلطة الفلسطينية وتجريد حماس من سلاحها، في ظل رفض وزراء متطرفين مثل بن غفير وسموتريتش لخطة ترامب، ما يزيد الضغط على نتنياهو. في الأثناء، يتحرك فريق ترامب، بينهم ويتكوف وكوشنر، لجسر الهوة مع الإسرائيليين، وسط قناعة بأن نتنياهو لن يجرؤ على مواجهة ترامب مباشرة.
مصادر اعلامية كشفت أن قطر ومصر والأردن والسعودية قدّمت ملاحظات على المبادرة الأميركية، فيما وقّعت تركيا وإندونيسيا وباكستان والإمارات على الصيغة المعدلة التي تنص على انسحاب إسرائيلي مرحلي، وقوات دولية على الحدود فقط، ووضع سلاح حماس تحت رقابة دولية. الوثيقة التي تضم 21 بندًا، والمعروفة إعلاميًا بـ”ورقة الـ21 نقطة”، تشمل أيضًا الإفراج عن الأسرى وإزاحة حماس عن الحكم، وإنشاء مسار نحو دولة فلسطينية.
على الصعيد الأوروبي، قالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إن العالم يقترب من اتفاق سلام قد ينهي عامين من الحرب، حاثّة إسرائيل على تغيير مسارها. ورغم رفضها توصيف ما يجري بأنه إبادة، شددت على ضرورة استغلال الزخم الجديد لإنهاء الصراع، وكشفت أن البيت الأبيض يدرس تعيين توني بلير على رأس إدارة تكنوقراطية مؤقتة لغزة، رغم الجدل حول دوره السابق. كوبر أكدت أن الأولوية وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات وإطلاق سراح الرهائن، معتبرة أن ترامب سيكون له دور حاسم في إقناع إسرائيل بالخطة.
في موازاة ذلك، صادقت لجنة الأمن القومي في الكنيست على مشروع قانون يفرض عقوبة الإعدام على أسرى فلسطينيين متهمين بقتل إسرائيليين، رغم معارضة قانونية وأمنية. بن غفير دفع بالقانون كوسيلة “ردع”، فيما حذّر غال هيرش من تأثيره السلبي على ملف الأسرى، وسط اعتراض عائلات بعض المحتجزين.
على الجانب الشعبي، يقترب “أسطول الصمود العالمي” من شواطئ غزة، حيث أكد منسقه وائل نوار أنهم على بعد ثلاثة أيام من القطاع، برفقة نحو 48 سفينة قد ترتفع إلى 59، تحمل مساعدات إنسانية ويشارك فيها أكثر من 500 شخص من جنسيات مختلفة، بينهم برلمانيون أوروبيون. الأسطول يرافقه قطع حربية إيطالية وإسبانية ومسيّرات تركية، وسط مراقبة إسرائيلية مكثفة، فيما دعا مشاركون الاتحاد الأوروبي إلى حمايته.
يأتي ذلك في ظل حصار خانق تفرضه إسرائيل منذ 18 عامًا، وتفاقم خلال العامين الماضيين وصولًا إلى مجاعة معترف بها أمميًا، راح ضحيتها مئات الفلسطينيين بينهم أطفال. وبحسب إحصاءات فلسطينية ودولية، أسفرت الحرب منذ أكتوبر 2023 عن استشهاد أكثر من 66 ألف شخص وإصابة أكثر من 167 ألفًا، معظمهم من النساء والأطفال.
في هذه الأجواء، يبدو أن لحظة سياسية مفصلية تتشكل حول غزة، بين ضغوط أميركية لإنهاء الحرب، ومقاومة إسرائيلية لبنود الخطة، وتعديلات عربية تحاول التوفيق بين المطالب الفلسطينية والإسرائيلية، فيما تبقى حماس خارج المعادلة الرسمية حتى الآن، متمسكة بحقها في تقرير مصير شعبها، ومعركة غزة مستمرة سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا بانتظار ما ستحمله الأيام المقبلة.



