أخباركم – أخبارنا
كتب حنا صالح
في صبيحة اليوم ال2087 على بدء ثورة الكرامة
على مدى عقود ما بعد الحرب الأهلية وويلاتها ولغاتها هناك تشوه فكري سياسي ثقافي قد يتطلب الوقت للتخلص من آثاره. الكل يذكر مثلاً عشية قرار حكومة فؤاد السنيورة إنهاء ظاهرة توحش “فتح الإسلام”، وقف حسن نصرالله وقال: مخيم نهر البارد خط أحمر، غير أن السلطة السياسية تجاوزت التهديد وقاد الجنرال المغدور فرانسوا الحاج تلك المعركة التي كلفت ثمناً كبيراً. والكل يذكر ثقافة “تحسسوا رقابكم”، و”عملاء السفارة” وشتى عبارات تخوين كل من رفض طروحات قوة الأمر الواقع الملتحقة بالخارج حزب الله، أو تباين موقفه مع موقف الحزب. إنه زمن التهديد ب”قبع” قاضي التحقيق طارق البيطار، زمن “أشرف الناس” و”اليوم المجيد” عشية جريمة 7 أيار لإذلال العاصمة التي لفظت المحتل الإسرائيلي.
ما هي الرسالة التي على المواطن اللبناني أن يفهمها اليوم وهو يرى تعاطياً مع قرارات السلطة التنفيذية كأنها وجهة نظر فتمتنع الجهات المعنية بها عن تنفيذها؟ ألا يُذكر هذا المنحى بصفحات ممارسة سوداء من الثنائي غسان عويدات وعماد عثمان عندما منعا تنفيذ مذكرات جلب او توقيف مدعى عليهم بجناية “القصد الإحتمالي” بجريمة تفجير المرفأ، والأثر الذي تركته تلك الممارسة على العدالة لألوف الضحايا وللعاصمة؟
طبعاً عندما تنجح قوى الدولة العميقة بتشجيع معروف على تجاوز تنفيذ قرار أعلى سلطة تنفيذية في البلاد، يصبح من السهل على ميليشيا الإستقواء على السلطة في مناسبة مقتل قادة بارزين عجزت هذه الميليشيا وسلاحها اللاشرعي عن حمايتهم. والأمر الأكيد أن “غزوة الليزر” لصخرة الروشة ليست، وبالمطلق، مناسبة ليعلن الشيخ نعيم أن بوسع الميليشيا التابعة للحرس الثوري، التي “يقود”، قادرة إنطلاقاً من تلك المناسبة على كتابة منحى مغاير لمسار البلد الذي بدأ مع وصول نواف سلام إلى رئاسة مجلس الوزراء. فالقاصي والداني يعلم أن التبجح بعدم تسليم السلاح (فقد صفته كسلاح مقاوم منذ التحرير في العام 2000، وتحول إلى سلاح فتنة في الداخل وإعتداء على الجوار وإغتيال لرموز لبنانية وإستدرج الإحتلال بعد جريمة أخذ البلد حرب “الإسناد”)، فإن المستهدف هو الدولة، وأكثرية المواطنين الساحقة، وليس العدو الذي يقتل ويدمر ويستبيح كل يوم، منذ إتفاق وقف النار المذل، المسؤول عنه الثتائي المذهبي حزب الله وحركة أمل.
لا ينبغي التقليل من الأخطار التي يهدد بها حزب الله، خصوصاً وأنه لم تعد لدى مشغله الإيراني أية اوراق “يعتد” بها، بعدما دخل النظام الإيراني طوراً جديداً من العزلة الخانقة، إثر إعادة فرض أشد العقوبات على نظام مارق إستسهل جر المنطقة إلى الخراب وجعل بلداننا لقمة سائغة أمام أخطر مخطط صهيوني.. هنا اللغة “الكربلائية” توحي بأمر واحد، وهو أن أصحابها في موقع من دفعوا إلى التهديد بخيار شمشون “علي وعلى أعدائي”، فتصبح الأولوية المضي بقوة بسياسة إعادة بناء الدولة القادرة والعادلة والمرجع لحماية كل أبنائها، وفي مقدمة مهامها منع ميليشيا متجبرة على تحويل “بيئة” لصيقة بها إلى أكياس رملٍ في مخطط حماية سلاح لاشرعي لم ينجح في حماية حامليه.. هنا يصبح موضوع جمع هذا السلاح أولوية الأولويات، وما حدن يخبرنا حكايات، من أن قوى الشرعية ليست في موقع القدرة على منع حمل السلاح ونقله على كل الأراضي اللبنانية، بحيث يطال الصدأ تلك الخردة التي يخفيها الحزب!
بهذا السياق لم تكن في موقعها ولا مكانها ولا زمانها أن يعود مسؤول إلى لغة “الخطوط الحمر”. وكم هو بليغ ما سطره الزميل بشارة شربل عندما كتب: “ لغة الخطوط الحمر ونقطة أول السطر غير لائقة بحق قائلها واللبنانيين. الخط الأحمر هو الدستور والقانون، والسطر المفتوح نتيجة نضالات لترسيخ الحريات. أما المصلحة الوطنية فلا يحتكر فهمها رئيس أو وزير أو نائب. العودة إلى التواضع أهم من عرض العضلات”. وهنا ينبغي فتح مزدوجين للتنبيه أن مواقف لرئيس البلاد على إثر تداعيات “غزوة الليزر” وصولاً إلى توقيت الوسام تركت تداعيات ليس أقلها إتساع الهوة بين بعبدا وأكثرية اللبنانيين.
هنا لافت جداً التحرك السياسي شبه الشامل لدعم الحكومة والمواقف التي أعلنها رئيسها نواف سلام بحزم وجرأة للمضي دون أي إبطاء في جمع السلاح وبسط السيادة كما في خطوات إسترجاع القرار وإعادة بناء الدولة كبديل عن زمن الدولة – المزرعة.
لافت هنا موقف الرؤساء السابقين للحكومة سلام وميقاتي والسنيورة الذي نحى منحى الدعم لمواقف الرئيس نواف سلام بالتأكيد “أن المصلحة الوطنية العليا تقتضي تجاوب الجميع مع حصرية السلاح بيد القوى الشرعية. فهذا القرار يجب أن ينفذ عاجلاً لتكون الدولة اللبنانية وحدها مسؤولة عن أمن البلاد”.. وأيدوا قرارات الحكومة لتحقيق جمع السلاح من دون أي تراجع عملاً بأحكام الدستور والطائف.. كما شددوا على وحدة الحكم في معالجة أمور الدولة ولا سيما في الإجراءات التي تحقق التمسك بالدستور وحكم القانون.
وكان لافت كذلك ما تضمنه البيان الشهري للمطارنة الموارنة من إنتقاد لما جرى قبالة صخرة الروشة فقال: “يأسف الآباء لما جرى في الأيام الأخيرة من مخالفة لأوامر الدولة وقوانينها، ويأملون أن تكون المناسبات السياسية سعياً لجمع الكلمة وترميم الوحدة الوطنية”. وفي السياق لفت الإنتباه تأكيد رئيس الحكومة، أمام وفود نيابية وبيروتية أمّت السراي داعمة ومؤيدة للسلطة، أنه ماضٍ في “منطق المحاسبة ولا تراجع وهذا ما سيحصل لأنه لا يوجد أحد فوق القانون”.. وشدد على تطبيق ما “إلتزمته الحكومة في جلستي 5 و7 آب أي الإستمرار بحصر السلاح بيد الدولة”



