أخباركم – أخبارنا
كتبت بدرية عيتاني
أوقفوا الحرب الآ ن! ولا نريد عودتها..نحن دعاة سلام
كل يوم، تُمحى عائلات لبنانية بأكملها، تاركةً وراءها أرامل وأيتام وأمهات بأذرع فارغة. وجوه الأطفال المفقودين تطاردني، وابتساماتهم الباهتة تحطّم قلبي. مع كل فجر جديد، أجد نفسي أبحث عن القوة للكتابة عن الضحايا الذين مُسحت أسماؤهم وسط فوضى الموت والدمار. أحاول أن أمنح اسماً لكل روح أُلغيت من الوجود، لكن لا أعرف من أين أبدأ، ولا كيف أروي قصة أمة تنزف. قال جبران خليل جبران: «حقيقة الآخر ليست فيما يظهره لك، بل في ما لا يستطيع إظهاره». وما لا تستطيع هذه الوجوه المطفأة إخبارنا به هي قصص الحب والضحك والحياة التي عاشوها والتي أُبيدت إلى الأبد. أما بالنسبة لأولئك الذين بقوا، أفكر فيهم باستمرار. أفكر في أرواحهم المحطّمة، وفي معنوياتهم المكسورة. جروحهم ليست فقط على أجسادهم، بل محفورة بعمق في قلوبهم، في نضالهم للبقاء على قيد الحياة، للبحث عن طعام ومأوى، والتشبّث ببصيص من الأمل وسط هذا اليأس. كان مساء البارحة وليلتها مروّعين. وهذا الصباح، تستمر دائرة العنف. وبينما كان قادة العالم يقفون على منابر الجمعية العامة للأمم المتحدة يتحدثون عن السلام، كان الأبرياء هم الذين يدفعون الثمن الأكبر. السماء فوق بيروت ملبدة بالدخان وليس بالأمل، والشوارع مليئة بجثث أولئك الذين لم يكن لهم أي دور في هذا الصراع. كم من الأرواح يجب أن تتحطم قبل أن يتحرك العالم لوقف هذا النزيف؟ في هذه الحرب بين إسرائيل وحزب الله، ليس السياسيون أو المقاتلون هم من يتحمّلون العبء الأكبر، بل المدنيون اللبنانيون. هم ليسوا الأهداف، ومع ذلك هم من يعانون الأكثر. منازلهم تحوّلت إلى ركام، وعائلاتهم تمزّقت. عدد الضحايا ضخم، وهو لا يزال غير معروف، ويستمر في الازدياد. هذه المأساة في لبنان تذكّرنا بمسؤوليتنا الجماعية لحماية الأبرياء وإنهاء هذه الحلقة من الدمار. لا يمكن إيجاد الحلول بينما تحترق المدن بأكملها، والمستقبل الذي نطمح إليه لن ينبثق من رماد الأرواح البريئة المفقودة. كم يجب أن يسقط المزيد قبل أن تنتصر الإنسانية؟ أوقفوا الحرب الآ ن! ولا نريد عودتها..نحن دعاة سلام
أهم ما في الوجود هو الإنسان
مما قاله طاغور: «إن أهم ما في الوجود هو الإنسان, فالإنسان هو الذي يحيا وهو الذي يعيش وليست الآلة»… وفي جهة أخرى تقول دونا هاراوي: «آلاتنا أصبحت تتميز بالحيوية الفائقة بدرجة مقلقة, أما نحن فأصابنا الكسل والخمول بطريقة مخيفة»… تتجه البشرية نحو عصر السايبورغ – حيث يبرز التفاعل بين الكائنات العضوية والأجهزة التكنولوجية – وكان نيل هاريسون أول شخص سايبورغ (حيث زرع له عين الكترونية لمعالجة مرض عمى الألوان قبل حوالي عشر سنوات)! من هنا قد يبرز السؤال عن أهمية وجدية العالم الافتراضي الذي يتقدم على حساب العالم الواقعي, مع أنني شخصياً لاأراه افتراضياً بمعنى أنه غير موجود, فهو يأخذ حيزاً من الحياة بنسبة تختلف بين شخص وآخر, وثمة أشياء كثيرة نتعلق بها ونؤمن بها رغم أنها افتراضية – بمعنى أنها غير مرئية أو ملموسة -. هو الإيمان ما يجعلك تحيل الافتراضي إلى حقيقة داخلية عميقة ورغبة واعية تسير على هديها في الحياة. بين الإنسان البدائي الفطري, وإنسان السايبورغ مسافات ونظريات وحيوات وحروب وكوارث وآثار ومنقرضات, ومتحولات, ومتكيفات….. مع كل ذلك استمرت عقائد الإنسان البدائي حول الكون والإله بالحياة بيننا مع بعض التحولات الشكلية التي لم تمس الجوهر, وربما نتفق مع طاغور حين قال: «أفلا يجوز أن تكون عقلية الإنسان البدائي ألصق بالحق من سواها»! هي دورة حياة الكون التي ستعود يوماً إلى منابعها الأولى: الفطرة والطيبة والتواصل دون لغات- ربما ب «التلي باتي» بالإحساس والحدس- يومها يعود الكون أماً وليس أباً.



