تقرير أخباركم – اخبارنا
فلسطين الميداني/ ريما يوسف
أخباركم – اخبارنا تقرير فلسطين الميداني في غزة، ألوانٌ قاسية من المعاناة تطبع حياة آلاف العائلات النازحة في وسط وجنوب القطاع .
أجسادٌ أنهكها الجوع، ووجوهٌ غطاها الغبار، وأطفالٌ يتنقلون بين خيام ممزقة وطرقات موحلة بحثًا عن لقمة خبز أو جرعة ماء، بعدما اضطروا لترك بيوتهم في الشمال وغزة هربًا من المجازر الإسرائيلية. رحلة نزوح أشبه بانتقال من موت إلى آخر، حيث لا أمان ولا مقومات للحياة.
الجوع يطارد النازحين في كل زاوية. ما تبقى من مدخراتهم استُنزف في رحلة التهجير، واليوم لا يملكون ثمن الطحين أو الطعام. التكايا الخيرية التي تُطعم الجوعى عاجزة عن سد الحاجة، فطوابيرها تمتد لساعات طويلة، فيما يحصل من يحالفه الحظ على وجبة لا تكفي. يقول إبراهيم سويلم إن عائلته المكوّنة من أكثر من عشرين فردًا، بينهم أيتام وأبناء شهداء، تقضي معظم يومها في التنقل بين التكايا، لكنها كثيرًا ما تعود خالية الأيدي، فيمضي الأطفال لياليهم جوعى.
الماء بدوره تحوّل إلى عبء يومي جديد. محطات التحلية شبه متوقفة، وأسعار المياه ارتفعت بشكل جنوني، فيما يقف الناس في طوابير طويلة بانتظار عربات التوزيع. من لا يستطيع الدفع يضطر لقطع مسافات خطيرة أو الاكتفاء بكميات ضئيلة لا تفي بالحاجة.
أما المأوى، فبحد ذاته معضلة. الاكتظاظ في الوسطى والجنوب دفع نازحين إلى نصب خيامهم في أراضٍ خطرة قرب الحدود أو محور “نيتساريم”، رغم إدراكهم أن الرصاص والقذائف تصلها باستمرار. سليمان بكر، الذي يعيل 12 فردًا، يقول إنه يضطر لدفع بدل أرض وخيمة ومياه، حتى المرافق الصحية أصبحت مأجورة. يضيف بحزن: “نخاطر بحياتنا لجمع الحطب أو الماء، لا أحد يغامر بالموت إلا حين يعجز عن توفير رغيف خبز لأطفاله”.
ومع انعدام الطعام والماء، تتفاقم الأزمة الصحية. المستشفيات الميدانية مكتظة وضعيفة الإمكانات، والأدوية نادرة. أم محسن الشملة لم تجد علاجًا لابنها المصاب بمرض جلدي سببه التلوث والرطوبة داخل الخيمة، والأدوية المتاحة في السوق بأسعار خيالية. النساء الحوامل محرومات من الفيتامينات والرعاية الأساسية، والأطفال يواجهون الأمراض بلا علاج.
ومع ذلك، تواصل إسرائيل ملاحقة النازحين حتى في المناطق التي يصفها بـ”الآمنة”، مخلفًا مزيدًا من المجازر. وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي، فإن أكثر من 3,500 شهيد سقطوا في الوسطى والجنوب منذ بدء العدوان البري، ليرتفع عدد الشهداء الإجمالي إلى نحو 66 ألفًا، فضلًا عن آلاف المفقودين والمصابين.
هكذا يعيش النازحون مأساة مركبة: جوعٌ وعطش، فقرٌ ومرض، خوفٌ ومجازر لا تتوقف. واقع يختصره نداء سويلم: “ساعدوا أهل غزة… فالجوع والموت يحيطان بنا من كل جانب”.
وتتواصل الحرب في قطاع غزة لليوم الـ728 على التوالي، وسط مشاهد كارثية من التجويع الممنهج، والدمار الواسع، والمجازر بحق المدنيين، لا سيما عند مراكز توزيع المساعدات الإنسانية التي باتت تعرف بـ”المساعدات الأميركية”. ورغم ادعاءات الاحتلال بتوفير “ممرات آمنة”، يتعرض الفلسطينيون الذين يصطفون طلبًا للطعام والماء للاستهداف المباشر، ما أسفر عن سقوط آلاف الضحايا.
يترافق ذلك مع حصار خانق وإغلاق كامل للمعابر ومنع دخول المساعدات، ما أدى إلى تفشي المجاعة وظهور أمراض مرتبطة بسوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال والنساء. الأمم المتحدة أعلنت رسميًا وقوع مجاعة في غزة، في أول إعلان من نوعه بالشرق الأوسط، مؤكدة أن نصف مليون شخص يواجهون جوعًا “كارثيًا”، وأن محافظة غزة تعيش المجاعة بشكل كامل.
في اليوم الـ200 من استئناف الحرب بعد خرق اتفاق وقف إطلاق النار، ركز الاحتلال ضرباته الجوية على مناطق قرب مراكز توزيع المساعدات، فاستشهد وأصيب العديد من المدنيين في شمال وجنوب القطاع. وفي الوقت نفسه، صادق “الكابينيت” الإسرائيلي على خطة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بالمضي نحو “احتلال كامل لقطاع غزة”، رغم تصاعد الاتهامات الدولية لإسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية”.
ميدانيًا، شهدت مدينة غزة قصفًا هو الأعنف منذ أسابيع، حيث شملت الغارات أحياء الشيخ رضوان، الرمال، الجلاء، الزيتون، الشجاعية، والتفاح، إضافة إلى محيط مستشفى القدس. الدفاع المدني أفاد بأن المدنيين محاصرون داخل أبراج حي تل الهوى تحت نيران القصف الجوي والمدفعي والتفجيرات. كما استهدفت الغارات مخيم الشاطئ، مخيم المغازي، ودير البلح، وصولًا إلى خانيونس جنوبًا، ما أسفر عن عشرات الشهداء والجرحى.
المجازر طالت أيضًا نازحين وخيامهم. ففي خان يونس، قصف الاحتلال تكية طعام خيرية، فاستشهد أب مع أبنائه الأربعة وحفيده. وفي دير البلح، قُتل ثلاثة مواطنين وجُرح 13 جراء استهداف خيام النازحين. كما استشهد أربعة أشقاء من عائلة النباهين أثناء جمع الحطب في مخيم البريج، فيما ارتفع عدد ضحايا استهداف طوابير المساعدات إلى 2,582 شهيدًا وأكثر من 18,900 مصاب منذ بدء الحرب.
بحسب وزارة الصحة في غزة، ارتفعت حصيلة الشهداء منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 66,225، معظمهم من الأطفال والنساء، بينما تجاوز عدد الجرحى 168,938، في حين لا يزال آلاف الضحايا تحت الأنقاض. خلال الساعات الـ24 الماضية فقط، استشهد 77 فلسطينيًا وأصيب 222 آخرون.
إلى جانب القصف والمجاعة، كشفت منظمة الصحة العالمية أن 42 ألف شخص في غزة يعانون من إصابات غيّرت مجرى حياتهم، ربعها بين الأطفال، بينهم أكثر من 5,000 حالة بتر للأطراف. وأشارت إلى أن نحو 15,600 مريض، بينهم 3,800 طفل، ينتظرون الإجلاء الطبي العاجل، بينما توقفت معظم عمليات الإجلاء بعد إغلاق معبر رفح.
المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم قال إن عامين من الصراع دمّرا النظام الصحي بشكل شبه كامل، مضيفًا أن الحاجة إلى إعادة التأهيل الجسدي والنفسي في غزة ستستمر لسنوات مقبلة. وأكد ممثل المنظمة في الأرض الفلسطينية أن عدد المتخصصين في الأطراف الصناعية لا يتجاوز ثمانية فقط، فيما يعاني النظام الصحي من نقص حاد في المستلزمات الطبية والكوادر.
وهكذا، تتفاقم المأساة الإنسانية في القطاع مع استمرار القصف، المجاعة، وانهيار المنظومة الصحية، بينما يواجه المدنيون نزوحًا قسريًا متواصلاً ومجازر يومية، في ظل عجز المجتمع الدولي عن وقف العدوان أو ضمان تدفق المساعدات.



