الأحد, يونيو 14, 2026
25.8 C
Beirut

تعثر المفاوضات بين دمشق و”قسد”.. بين حسابات الداخل وضغوط الخارج

نشرت في

أخباركم _ أخبارنا

كان من المقرر أن تستضيف دمشق، يوم الخميس الماضي، جولة جديدة من المباحثات بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، بعد مرور أكثر من شهرين على فشل جولة مماثلة جرت في باريس. غير أنّ هذه الجولة أُلغيت في اللحظات الأخيرة، لتعود الأسئلة مجدداً حول مستقبل الحوار بين الطرفين، وأسباب التعثر المتكرر، ودور القوى الدولية في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

خلفية المفاوضات ومحاولات التقارب

بدأت محاولات التقارب العلني بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) منذ اتفاق العاشر من مارس الماضي، الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع والقائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي. وقد نص الاتفاق على دمج القوات ضمن المنظومة السورية مع ضمان حقوق الأكراد دستورياً، إضافة إلى بنود أخرى شملت عودة النازحين، وإدارة الموارد النفطية والمعابر الحدودية، فضلاً عن التنسيق في محاربة فلول النظام البائد.

ورغم الترحيب الأولي بالاتفاق، فإنّ الشكوك سرعان ما ظهرت مع تبادل الاتهامات بين الطرفين بشأن التملص من التنفيذ. فبينما تؤكد الإدارة الذاتية أنّ دمشق لم تبدِ الجدية الكافية لتثبيت خصوصية “قسد” ضمن الجيش السوري، تصرّ السلطات السورية على أنّ مطلب الاحتفاظ بالهيكلية الحالية للقوات الكردية يتناقض مع مبدأ وحدة المؤسسة العسكرية.

الدور الأميركي في الوساطة

بحسب مصادر خاصة لـ”العربية.نت” و”الحدث.نت”، لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في تنسيق جولة المفاوضات الأخيرة. فقد حرص مسؤولون أميركيون على ترتيب لقاء مباشر في دمشق بين وزيرة الخارجية السورية أسعد الشيباني والقيادية الكردية إلهام أحمد، الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية.

وكان من المفترض أن يشكل هذا اللقاء خطوة متقدمة على طريق مناقشة آليات تنفيذ اتفاق مارس. لكنّ دمشق رفضت بشكل قاطع حضور المسؤولين الأميركيين، وهو ما أدى إلى انسحاب إلهام أحمد من العاصمة السورية قبل ساعات من الموعد المحدد، وعودتها إلى مناطق سيطرة “قسد”.

باريس والوساطة الفرنسية

توازياً مع التحرك الأميركي، حاولت فرنسا لعب دور وسيط بين الطرفين. فقد استضافت باريس قبل أكثر من شهرين جولة تفاوضية بين دمشق والإدارة الذاتية، لكنها انتهت من دون نتائج ملموسة بسبب إصرار الحكومة السورية على عقد المفاوضات داخل الأراضي السورية، بعيداً عن الضغوط الأوروبية.

ومع ذلك، تؤكد مصادر من وزارة الخارجية الفرنسية أنّ باريس متمسكة بالمسار التفاوضي، وترى فيه فرصة لتثبيت الاستقرار في شمال شرق سوريا. وتشير المعلومات إلى أن باريس تعمل حالياً على نقل المحادثات إلى دولة عربية لم يتم الكشف عنها بعد، في محاولة لتأمين أرضية محايدة مقبولة من الطرفين.

الموقف السوري الرسمي

من جانبها، تبدو دمشق حذرة في التعامل مع الملف. فهي تدرك أن أي تسوية مع “قسد” لن تنجح من دون معالجة قضية الوجود الأميركي في شمال شرق سوريا، خاصة أن القوات الأميركية تنتشر في مناطق النفط والغاز الحيوية. وترى الحكومة السورية أن حضور واشنطن على طاولة المفاوضات يشكل انتقاصاً من السيادة الوطنية، لذلك ترفض دمشق أي دور أميركي مباشر في إدارة الحوار.

إضافة إلى ذلك، تصر السلطات السورية الجديدة، التي تولت الحكم بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي، على إعادة تثبيت مركزية الدولة كخيار استراتيجي. وبالنسبة لدمشق، فإنّ فكرة اللامركزية الموسعة التي تطالب بها الإدارة الذاتية، تُعد تهديداً لوحدة البلاد وتماسك مؤسساتها.

موقف الإدارة الذاتية

على الضفة الأخرى، تتمسك الإدارة الذاتية بالاعتراف بخصوصية قوات سوريا الديمقراطية، معتبرة أنّ دمجها الكامل في الجيش السوري من دون ضمانات دستورية سيعني فقدان المكتسبات التي تحققت خلال سنوات الحرب ضد “داعش”. كما تطالب القيادة الكردية بدستور جديد يكرّس اللامركزية الديمقراطية، بما يسمح بإدارة ذاتية فعلية للمناطق الكردية والعربية التي تقع تحت سيطرتها.

وترى قيادات “قسد” أنّ ضمان هذه الحقوق دستورياً ليس فقط مطلباً كردياً، بل هو شرط أساسي لتحقيق الاستقرار ومنع عودة الصراعات الداخلية. وفي تصريحات متكررة، أكدت الإدارة الذاتية أنّها لا تهدد تركيا ولا تسعى للانفصال، بل تطالب فقط بشراكة عادلة في إطار الدولة السورية الجديدة.

الحسابات الإقليمية والدور التركي

لا يمكن إغفال الدور التركي في هذا الملف. فأنقرة تتابع عن كثب تطورات العلاقة بين دمشق و”قسد”، إذ تعتبر الأخيرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني المصنف لديها تنظيماً إرهابياً. ومن هذا المنطلق، تخشى تركيا أن يؤدي أي اعتراف رسمي بخصوصية “قسد” إلى تقوية الطموحات الكردية على حدودها الجنوبية.

وبالتالي، فإن أي تقارب بين دمشق والإدارة الذاتية سيظل مرهوناً بموقف إقليمي أوسع يشمل ضمانات لتركيا بعدم تهديد أمنها القومي. وقد عبّرت أنقرة في مناسبات عدة عن رفضها لأي صيغة تمنح “قسد” استقلالية سياسية أو عسكرية.

تداعيات تعثر الحوار

فشل الجولة الأخيرة لا يعني فقط تأجيل المفاوضات، بل يكشف أيضاً هشاشة التوازنات التي تحكم العلاقة بين الطرفين. فمن جهة، لا تستطيع الإدارة الذاتية تجاهل دمشق باعتبارها مركز القرار السياسي والدستوري، ومن جهة أخرى، لا تستطيع الحكومة السورية تجاهل “قسد” التي تسيطر على ربع مساحة البلاد تقريباً، بما في ذلك أهم حقول النفط والغاز.

التعثر الحالي قد يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية. فواشنطن تبدو مصممة على لعب دور مباشر في مستقبل “قسد”، بينما باريس تواصل جهودها لتقريب وجهات النظر. وفي المقابل، تراهن دمشق على الوقت وعلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، بانتظار لحظة يكون فيها ميزان القوى أكثر ملاءمة لفرض رؤيتها.

الخلاف حول شكل الدولة

يبقى جوهر الخلاف متمحوراً حول شكل نظام الحكم في سوريا الجديدة. ففي حين تطالب الإدارة الذاتية بدولة لا مركزية تتيح لها إدارة شؤونها الداخلية، تصر دمشق على مركزية الدولة مع بعض الإصلاحات الإدارية المحدودة. ويُنظر إلى هذا الخلاف باعتباره العقبة الأبرز التي تحول دون التوصل إلى اتفاق شامل، حتى لو تم تجاوز ملف دمج “قسد” في الجيش السوري.

مستقبل المفاوضات

رغم كل العراقيل، لا يبدو أن قنوات الحوار قد أُغلقت نهائياً. إذ لا تزال واشنطن وباريس تعملان على إيجاد صيغة جديدة للتفاوض، كما أن بعض الدول العربية أبدت استعداداً لاستضافة جولات مقبلة. ويرى مراقبون أن استمرار التواصل، حتى وإن كان متقطعاً، يشير إلى إدراك الطرفين لضرورة التوصل إلى تفاهم ما، ولو مرحلي، لتجنب العودة إلى المواجهة الميدانية.

خاتمة

باختصار، تعكس أزمة إلغاء الجولة الأخيرة من المفاوضات بين دمشق و”قسد” عمق التعقيدات المحيطة بالملف السوري. فالمسألة لا تقتصر على تفاهم داخلي بين الحكومة والإدارة الذاتية، بل ترتبط بتوازنات إقليمية ودولية معقدة تشمل الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا ودولاً عربية أخرى. وبين مركزية الدولة التي تتمسك بها دمشق، ومطلب اللامركزية الذي تدافع عنه “قسد”، يظل مستقبل الاتفاقات رهناً بالقدرة على إيجاد صيغة وسط تضمن وحدة سوريا من جهة، وحقوق مكوناتها من جهة أخرى.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

جيفارا… حين يصير الثائر وطنًا للفقراء ووصيةً للمستقبل!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ارتبطتُ بسيرة تشي جيفارا لا بوصفها حكاية ثائر بعيد...

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

More like this

جيفارا… حين يصير الثائر وطنًا للفقراء ووصيةً للمستقبل!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ارتبطتُ بسيرة تشي جيفارا لا بوصفها حكاية ثائر بعيد...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

اتفاق لم يولد بعد: مذكرة واشنطن وطهران بين وساطة قطر وشروط إسرائيل وارتدادات لبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لا يمكن الحديث حتى...