أخباركم – أخبارنا
كتب عبد الرحيم التوراني
احتجاجات “جنيراسيون زد”، أو “جيل ” Z التي اندلعت في المغرب في الأيام الثلاثة الأخيرة من سبتمبر 2025، ولا زالت تتداعى وتتفاعل حتى اليوم، تُمثل نقطة تحول فارقة ولحظة مفصلية في المشهد السياسي والاجتماعي بالمغرب. فهي ليست مجرد إعادة للاحتجاجات التقليدية المطلبية التي عرفتها البلاد في السابق، مثل انتقاضة “حركة 20 فبراير” المنبثقة عن ثورات ما سمي بـ”انتفاضات الربيع العربي”، أو تظاهرات “حراك الريف” في مناطق الشمال.. بل هي عكست تطورًا جليا في صياغة أولويات الاحتجاج لدى شباب يافع من جيل جديد رافض بالقطع لكل الأوهام اللامعة التي تكون قد انطلت على أجيال سابقة.
ما من شك أن هذه الاحتجاجات الشبابية هي صرخة جيل لم يعد يؤمن بسراب وعود التنمية القديمة، برفعه لشعاره الأكثر سطوعا وصرامة، المتعلق بمجالات الصحة والتعليم، والتي يلخصها في العبارة الرافضة والقوية، المقتضبة: “ما بغيناش المونديال”، أي “إننا نرفض ولا نريد كأس العالم”، المقرر تنظيمه في المغرب سنة 2030، بشراكة ثلاثية تجمعه مع الجارين الإيبيريين اسبانيا والبرتغال.
“ما بغيناش المونديال”.. شعار قوي يشرح بالوضوح والبيان لمن بهم عمى أو صمم، من أهل الحل والعقد في البلاد، إلى أي مدى يرفض فيه الجيل الجديد سياسة استثمار موارد هائلة في مشاريع البنية التحتية الرياضية لاستقبال كأس العالم 2030 وكأس الأمم الأفريقية، على حساب تدهور الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم.
شعار أساسي ومركزي، تليه شعارات موازية، من التي تتردد اليوم في شوارع الدار البيضاء والرباط وأغادير ووجدة وطنجة وأسفي ومراكش وفاس وغيرها من مدن وجهات المملكة. إنها ليست كلام همس يائس، بل هي صرخة مزلزلة لجيل جديد يأبى الصمت، ويرفض أن يتم اللجوء لإسكاته وإخراسه، أو مواجهته بإخضاعه بلغة وآليات الترهيب والتخويف، ولا يقبل الالتفاف على مطالبه الاجتماعية الخالصة والمحضة…
لذلك فانتفاضة “جيل Z” رقم 212، (الذي يرمز إلى رقم مفتاح الهاتف الدولي للمغرب)، تتجاوز الاحتجاج التقليدي المتصل بغلاء المعيشة، أو بانتشار البطالة، كما قد تذهب بعض الأفكار البسيطة والتحليلات السطحية، بقدر ما تجب قراءتها كبيان فلسفي يهم أولويات شعب ووطن بأكمله، بيان يلخص سنوات، بل وعقود متوالية، من الإحباط واليأس والتيئيس.
لم يكن “جيل Z” الذي خرج إلى الشوارع في سبتمبر 2025 يحمل معه اللافتات التقليدية، بل كان يحمل رؤية حادة صقلتها شاشات الهواتف الذكية. هذا الجيل لم يعد يرى العالم عبر وسائل الإعلام الرسمي المسخرة؛ بل يراه بوضوح قاسٍ لا يحتمل تزييف الحقائق أو استهلاك بريق الأوهام الزائفة.
إنهم ملايين من الشباب الغض الفتي، شاهدوا بأم أعينهم، عبر تقارير الميزانية وشاشات الأخبار، كيف تخصص مليارات الدراهم لبناء الملاعب الفخمة، وتجديد الطرق السريعة استعداداً لاستقبال ضيوف كأس العالم 2030 وكأس الأمم الأفريقية. لقد كانت تلك البنية التحتية الرياضية، في نظرهم، مجرد واجهة ضخمة للاستهلاك السياسي.
وفي المقابل، كانت حياتهم اليومية تنهار في صمت. فالتعليم في المؤسسات التعليمية بالبلاد لم يعد ينتج سوى التدهور المريع، ويمهد ممرا واحدا مغلقا هو البطالة. هكذا تتحول الشهادات الجامعية التي يحملونها إلى وثيقة إدانة للنظام، بدلاً من أن تكون جواز مرور للمستقبل.
وقد رأوا تدهوراً مريعاً في الخدمات الأساسية التي تمس كرامتهم وحقهم في الحياة. ها هي المستشفيات تئن، والخدمات العامة تتهاوى.
لذلك، كان الشعار “ما بغيناش المونديال” ليس مجرد رفض لفعالية رياضية، بل هو بيان سياسي ووجودي يقول للسلطة:
“نحن نرفض أن تستثمروا مواردنا الهائلة في واجهة من الإسمنت والزيف، بينما تتآكل كرامتنا وحياتنا في الداخل. إننا نرى ما لا ترونه؛ والأولوية للإنسان لا للملعب.”
لقد كان هذا الجيل قد قرر أن يضع الكرامة والحياة في كفة، ويضع بريق المونديال في الكفة الأخرى.
***
إن شبابZ يرفض الأبوية السياسية، ويعلن باعتزاز أنه لم يخرج من معطف أطر وهياكل الأحزاب والتنظيمات النقابية التقليدية، التي لا ينفك عن التعبير عن سخطه إزاءها بصراحة صادمة، بل إن هذا الشباب يضع بشكل مباشر الدولة أمام مسؤوليتها دون الحاجة إلى “رعاة” سياسيين.
من هنا تأتي جرأة التوجه إلى أعلى سلطة في الباد، إذ يخاطبها بلسان الصراحة لا بلغة الخشب: “نحن لا نريد عرسكم الرياضي الباذخ، إذا كان ثمنه هو موت أمهاتنا في المستشفيات وتجهيلنا في المدارس”، ويطالبها بإعادة رسم خريطة الأولويات الوطنية، مع التأكيد على أن الاستثمار في الإنسان أولى وأبقى من أي استثمار في الإسمنت وخراسانات الملاعب.
شعار “ما بغيناش المونديال” كان بمثابة حجر الزاوية الذي فضح هذا التناقض.
وبخلاف حراكات سابقة ارتبطت بالطبقات المهمشة كلياً، يُنظر إلى كثير من شباب “جيل ” Z على أنهم ينتمون إلى الطبقة الوسطى أو إلى “الفقراء الجدد”. وإحباطهم ينبع من عدم قدرة الدولة على تحويل شهاداتهم إلى فرص عمل، مما يهدد وضعهم الاجتماعي.
كما أن هذا الجيل المتمرد يتكلم لغة جديدة، لغة احتجاج بصرية مكثفة، بشعارات مختصرة، ومقاطع فيديو سريعة الانتشار، مما يضمن وصول رسالتهم وتجاوزهم لآليات الإعلام التقليدية مشتغلين على تطبيقات مثل ديسكورد والشبكات الاجتماعية. إنه أسلوب “الاحتجاج الموزع” حيث لا توجد قيادة مركزية واضحة يمكن قمعها أو التفاوض معها بسهولة.
لذلك، يرى هذا الجيل في تلك الاستثمارات الضخمة دليلاً على انفصال النخبة الحاكمة عن الواقع. واتضح أن بين هؤلاء الشباب والطبقة الحاكمة هوة سحيقة، ليس في المتناول تجسيرها بسهولة، ولنأخذ كمثال ردات فعل الحومة ورئيسها رجل الأعمال الملياردير عزيز أخنوش، وخطابات بعض الأحزاب، وبيانات بعض الوسطاء، ولعل مثال وزارة الشؤون الإسلامية التي يقودها منذ ربع قرن أستاذ التاريخ والروائي أحمد التوفيق، الذي وزعت وزارته على مساجد المملكة كعادتها نص خطبة صلاة الجمعة لهذا الأسبوع، وهي نفسها التي يتلوها أئمة المنابر في مساجد المملكة جميعها، في إطار ما يسمى بـ”مراقبة الأمن الروحي”، ومن خطبة هذه الجمعة نقتطف:
“… ومن أخطر أنواع الإدمان كذلك – خصوصا في هذا العصر-: إدمان الإنسان على مواقع التواصل، والانشغال بها عن نفسه وأهله وذويه، وإضاعةُ الوقت فيها، والوقت أنفس ما يملك الإنسان؛ إذ هو وعاء عمله وفراغه قبل شغله..”
فهل يا ترى بمثل هذا الأسلوب، غير القابل للتوصيف، يمكن التفاهم مع “جنيراسيون زد”؟
هذا النصح المغلف بتعابير الوعظ الديني القديم لم يعد مقبولا، بل إنه تحول إلى نكت مسلية على منصات تواصل الشباب.
***
تميزت الأيام الأولى بمنع التظاهر بالقوة واستخدام العنف، وتسجيل عدد من الاعتقالات في مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء، وهو ما فاقم من الغضب العام، كما حدث في حراك الريف سابقاً. حيث شهدت بعض المدن أعمال شغب وتخريب، مما وضع قيادات الحراك غير الرسمية في موقف حرج وأتاح للسلطات توصيف الاحتجاج كـ”فوضى”، رغم التزام الشباب الأساسيين بالسلمية. وسجل سقوط ثلاثة قتلى من الشباب في ظروف ملتبسة بضواحي أغادير بالجنوب.
ولا بد هنا من الإشارة إلى اضطرار الحكومة إلى الاعتراف العلني بـ”المطالب الاجتماعية المشروعة” والاستعداد لـ”التجاوب”، مما يمثل ضغطاً سياسياً غير مسبوق على الأغلبية الحالية.
***
انتفاضة “جيل “ Z جرس إنذار للسلطة في المغرب حول فشل “النموذج التنموي” في تلبية طموحات شريحة واسعة من شبابه الأكثر تعليماً واطلاعاً.
هي ليست انتفاضة لإسقاط النظام، بل لإعادة ترتيب أولويات الدولة وفرض صوت الجيل الرقمي على المشهد العام. قوتها في لامركزيتها ورمزية مطالبها في الصحة والتعليم قبل الملاعب، وضعفها يكمن في غياب الهيكل التنظيمي التقليدي الذي يمكنه إدارة الحوار أو التفاوض الفعال.
ويبقى السؤال هل ستتمكن الدولة من احتواء هذا الغضب الجديد بـإصلاحات حقيقية وشفافة في قطاعات الصحة والتعليم، أم ستكتفي بـالمعالجة الأمنية التي قد تؤدي إلى تكرار دورات الاحتجاج وتدفع البلاد صوب مخاطر المجهول!؟



