أخباركم – أخبارنا
مسعود محمد
تُعدّ سوريا واحدة من أكثر دول الشرق الأوسط تنوعاً قومياً ودينياً، إذ تشكّل لوحة فسيفسائية نابضة بالحياة، تتداخل فيها القوميات والطوائف والمذاهب في مشهد فريد من نوعه في المنطقة. هذا الموزاييك السوري، الذي طالما شكّل مصدر غنى حضاري وثقافي، يضم مجموعة واسعة من المكونات التي عاشت لقرون متجاورة ومتصاهرة، لتشكّل هوية وطنية متعددة المشارب.
يشكّل العرب السنّة النسبة الأكبر من السكان، فيما تضم البلاد مكونات أساسية أخرى:
- الأكراد الذين يُقدَّر عددهم بنحو 10 إلى 12%، ويتمركزون في الشمال الشرقي (الحسكة، القامشلي، عين العرب – كوباني)، ولهم هوية لغوية وثقافية خاصة.
- العلويون، وتبلغ نسبتهم نحو 10 إلى 12%، يتركزون في الساحل (اللاذقية وطرطوس)، ويُعدّون القاعدة التاريخية للنظام الحاكم.
- الدروز في محافظة السويداء جنوب البلاد، ويمثلون نحو 3% من السكان، ويُعرفون بتماسكهم الاجتماعي واستقلاليتهم السياسية.
- المسيحيون الذين تتراوح نسبتهم بين 5 و7%، موزّعون بين طوائف متعددة: الروم الأرثوذكس، الكاثوليك، السريان، الموارنة، والأرمن، ويعيشون في دمشق، حلب، حمص، ومناطق الساحل.
- الآشوريون والسريان في شمال شرق البلاد، وهم من أقدم المجموعات التاريخية في المنطقة، يحتفظون بلغتهم وتراثهم الآرامي العريق.
- الإسماعيليون والشيعة الاثنا عشريون في بعض قرى ريف حمص وحماة، إضافة إلى أقليات شركسية وتركمانية وأرمنية حافظت على لغاتها وعاداتها الخاصة.
هذا التنوع الذي كان يوماً رمزاً للتعايش والثراء الثقافي، بات اليوم أمام اختبار صعب بعد عقود من التهميش السياسي وضعف التمثيل المتوازن، ما يجعل إعادة بناء الهوية الوطنية الجامعة ضرورةً حقيقية في سوريا الجديدة.
وفي ظل هذا الواقع، خاضت سوريا أول انتخابات نيابية في عهد الرئيس أحمد الشرع، وُصفت على نطاق واسع بأنها شكلية وبعيدة عن المعايير الديمقراطية. فقد غابت عنها معظم القوى المعارضة، كما قاطعها الأكراد والدروز وعدد من المكوّنات الطائفية والإثنية، في مشهد أعاد إلى الأذهان انتخابات العهود السابقة، حيث النتائج محسومة سلفاً ودوائر النفوذ مغلقة على فئات محددة.
ورغم حديث النظام عن “تجديد الحياة السياسية”، فإن الواقع الميداني والسياسي أظهر أن الانتخابات لم تتجاوز الطابع الرمزي، إذ تمّ تخصيص المقاعد وفق معايير سياسية وأمنية، ولم تُتح فرص متكافئة للقوى المستقلة أو للممثلين الفعليين عن الأقليات.
في السويداء، حيث الغالبية الدرزية، غابت الصناديق فعلياً بعد تعليق الانتخابات بسبب الاحتجاجات الأمنية، ما جعل أبناء الطائفة يشعرون بأنهم مُستبعَدون من القرار الوطني. وفي المناطق الكردية في الشمال الشرقي، حيث تسيطر الإدارة الذاتية، لم تُجر الانتخابات نهائياً، ما عمّق الفجوة بين دمشق وتلك المناطق، التي تطالب منذ سنوات باعتراف دستوري بهويتها وحقوقها السياسية والإدارية.
ويرى محللون أن النظام السوري ما زال يتعامل مع الأقليات بمنطق أمني لا وطني — يهادنها حيناً ويتجاهلها حيناً آخر، دون تقديم رؤية حقيقية لدمجها في مؤسسات الدولة. ومع غياب الإصلاح الدستوري الجدي، تبقى الأقليات أمام خيارين صعبين: البقاء على هامش السلطة أو البحث عن حماية خارجية تُهدد وحدة البلاد على المدى الطويل.
وهكذا، تبدو الانتخابات الأخيرة مجرد استعراض سياسي أكثر من كونها تحولاً ديمقراطياً، فيما يظل مستقبل التعددية والمواطنة المتساوية في سوريا رهناً بقدرة النظام على تجاوز الحسابات الأمنية والانفتاح على شراكة وطنية حقيقية تُعيد التوازن إلى هذا الموزاييك السوري الغني، قبل أن تتشقق فسيفساؤه نهائياً وتتحول إلى مجرد ذكرى من الماضي.



