خاص: أخباركم – أخبارنا
في تطور سياسي هو الأول من نوعه منذ سقوط النظام السوري السابق في ديسمبر 2024، يبدأ وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني زيارة رسمية إلى بيروت اليوم الجمعة، تلبية لدعوة من نظيره اللبناني يوسف رجي، في خطوة تعدّ فاتحة لعهد جديد من العلاقات بين البلدين بعد سنوات من القطيعة والتوتر.
ومن المقرر أن يعقد الشيباني خلال الزيارة لقاءات رسمية مع كبار المسؤولين اللبنانيين، بينهم رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى جلسة محادثات موسعة في مقر وزارة الخارجية اللبنانية.
ورغم أن البيان الصادر عن الخارجية اللبنانية مساء الخميس لم يشر إلى جدول الأعمال التفصيلي، فإن مصادر سياسية في بيروت توقعت أن تتناول المباحثات ملفات حساسة عالقة منذ أعوام، أبرزها قضية الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية والسورية، وضبط الحدود المشتركة ومكافحة التهريب، فضلاً عن ملف النازحين السوريين الذي يمثل نقطة تباين أساسية بين البلدين.
النازحون محور الخلاف والتفاهم المرتقب
تأتي الزيارة في وقت أعلن فيه لبنان مؤخراً إسقاط صفة “نازح” عن السوريين المقيمين على أراضيه، تمهيداً لمراجعة شاملة لشروط الإقامة القانونية وتنظيم أوضاع اللاجئين. وقد اعتبرت بعض القوى اللبنانية هذه الخطوة ضرورية لاستعادة السيادة وتنظيم الوجود السوري، فيما حذرت منظمات حقوقية وإنسانية من انعكاسها السلبي على الأوضاع المعيشية والإنسانية للنازحين، الذين يقدَّر عددهم بنحو مليون شخص وفق الإحصاءات الرسمية.
وكان الجانبان قد توصلا في سبتمبر الماضي إلى تفاهم مبدئي على تشكيل لجنتين مختصتين لإعداد اتفاق قضائي وآخر أمني – حدودي، في مسعى لتنظيم العلاقات القانونية وضبط الحدود التي طالما شكّلت مصدر توتر بين الطرفين.
توترات حدودية واشتباكات سابقة
وتأتي هذه التحركات بعد سلسلة توترات أمنية شهدتها المناطق الحدودية خلال الأشهر الماضية، إذ اندلعت اشتباكات متكررة بين مهربين ودوريات لبنانية، في ظل ازدياد نشاط المعابر غير الشرعية التي تربط البلدين. كما تعرضت بلدات لبنانية حدودية في مارس الماضي لقصف مصدره الأراضي السورية، ما أدى إلى مقتل سبعة لبنانيين وجرح أكثر من خمسين آخرين، ودفع الجيش اللبناني حينها إلى الرد على مصادر النيران داخل الأراضي السورية.
في المقابل، نفذ العشرات من الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية احتجاجات متكررة خلال الأسابيع الماضية، طالبوا فيها بمحاكمات سريعة أو ترحيلهم إلى بلادهم، ما أعاد إلى الواجهة ملف التعاون القضائي بين بيروت ودمشق وأبرز الحاجة إلى تفاهمات عملية لمعالجة هذه القضايا الإنسانية والقانونية المعقدة.
تحول في اللهجة السياسية
وتكتسب زيارة الوزير الشيباني أهمية رمزية وسياسية خاصة، كونها أول زيارة لمسؤول سوري رفيع منذ سقوط النظام السابق، بما يعكس رغبة دمشق الجديدة في إعادة بناء علاقاتها الخارجية على أسس مختلفة. كما تأتي الزيارة في ظل تحولات لبنانية داخلية، حيث تسعى حكومة نواف سلام إلى إعادة تعريف العلاقة مع سوريا بما يحفظ المصلحة الوطنية اللبنانية ويؤمن التعاون الأمني والاقتصادي المتبادل.
وفي المقابل، ينظر العديد من المراقبين اللبنانيين إلى هذه الزيارة بوصفها مؤشراً على انفتاح تدريجي من دمشق على محيطها العربي، خصوصاً في ظل المساعي الإقليمية والدولية لإعادة سوريا إلى موقع فاعل ضمن المنظومة العربية، شرط أن تلتزم الحكومة السورية الجديدة بنهج سياسي أكثر اعتدالاً وتوازناً.
إرث ثقيل من التوتر
يُذكر أن العلاقات بين بيروت ودمشق عرفت خلال عهد النظام السابق توترات حادة وانقسامات داخلية لبنانية عميقة. ففيما وقف حزب الله إلى جانب النظام السابق وشارك في القتال على الأراضي السورية، عارضت قوى لبنانية أخرى ذلك التدخل واعتبرته تهديداً للسيادة اللبنانية. ومع سقوط النظام في ديسمبر 2024، بدأت مرحلة جديدة من الانفتاح الحذر، ترافقت مع عودة تدريجية لمئات اللاجئين السوريين إلى بلادهم.
وتحاول الحكومة اللبنانية اليوم الموازنة بين ضغوط الداخل ومقتضيات التعاون مع دمشق، في وقت يواجه فيه لبنان أزمة اقتصادية خانقة وتراجعاً في المساعدات الدولية المخصصة للنازحين.
انفتاح حذر ومقاربة جديدة للعلاقة بين البلدين
تحمل زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت أبعاداً تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تأتي في لحظة مفصلية من إعادة رسم التوازنات الإقليمية بعد سقوط النظام السابق. فهذه الزيارة تشكل اختباراً لنهج دمشق الجديدة في إدارة علاقاتها مع جوارها، وفي مقدمتها لبنان الذي شكّل على مدى سنوات ساحة حساسة لتأثيرات السياسة السورية.
ويبدو أن دمشق تسعى إلى إعادة بناء شبكة علاقاتها الإقليمية على قاعدة الاحترام المتبادل والتعاون المؤسسي، بما يتناسب مع المتغيرات الداخلية والتوجهات العربية الجديدة تجاهها. أما بيروت، فترى في هذه الزيارة فرصة لتثبيت تفاهمات عملية حول الملفات الأمنية والحدودية، وللحصول على دعم سياسي يساهم في تخفيف عبء ملف النزوح الذي أثقل كاهل الدولة اللبنانية.
ويعتبر مراقبون أن هذه الزيارة قد تشكّل نقطة انطلاق لعلاقة أكثر توازناً بين البلدين، خصوصاً إذا نجح الطرفان في تحويل الحوار الحالي إلى آليات تعاون واقعية. كما تندرج الزيارة ضمن سياق أوسع من الجهود العربية لإعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي، وهو ما يمنحها أهمية استراتيجية تتجاوز حدود الثنائية اللبنانية – السورية، لتصبح مؤشراً على ملامح مرحلة جديدة من الانفتاح العربي على دمشق بعد عقد من العزلة والتوتر.



