أخباركم – أخبارنا
تقرير سوريا
حراك سياسي وأمني متسارع في الساحة السورية مع الإعلان عن اتفاق الحكومة السورية مع قيادة “قوات سوريا الديمقراطية” على دمج “قسد” بالجيش، في وقت تتكثّف فيه الاتصالات الإقليمية والدولية لبحث مستقبل مناطق الشمال والشرق السوري.
ابرز التطورات في سوريا خلال الــ 24 ساعة الماضية في هذا التقرير الخاص:
اتفاق سوري–لبناني لتسليم السجناء السوريين
ونبدأ من العلاقة مع لبنان بعد زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ولقائه بالمسؤولين اللبنانية والتي وصفت بــ “التاريخية، فقد أعلنت دمشق مساء أمس الجمعة التوصل إلى اتفاق مع بيروت يقضي بتسليم السجناء السوريين غير المدانين بجرائم قتل، وذلك خلال زيارة رسمية أجراها وفد سوري رفيع إلى لبنان برئاسة الشيباني.
وقال مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية محمد طه الأحمد إن الاتفاق يشمل جميع الموقوفين السوريين باستثناء من “ترتب على جرمهم دم بريء”، موضحًا أن الملف طُرح خلال ثلاثة اجتماعات مع الجانب اللبناني، وأن استجابة بيروت كانت “جيدة جدًا”، معربًا عن أمله في “طي صفحة الماضي“.
وأشار الأحمد إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع يولي هذا الملف اهتمامًا خاصًا، مؤكدًا وجود “كثير من التهم الملفقة” بحق الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية.
من جانبه، قال وزير العدل السوري مظهر الويس إن ملف الموقوفين كان أولوية قصوى خلال الزيارة، وإن الوفد ناقش المسألة في جميع اللقاءات الرسمية التي جرت مع المسؤولين اللبنانيين، مؤكدًا الاتفاق على عقد لقاءات قريبة لـ”إنهاء معاناة الموقوفين وإعادة الفرح لعائلاتهم بما يضمن الاستقرار للشعبين السوري واللبناني“.
وأضاف الويس أن الزيارة تمثل “بداية لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين الجارين الصديقين”، مشيرًا إلى مناقشة ملف اللاجئين السوريين وسبل تأمين عودتهم الآمنة، مع التأكيد على ضرورة توفير البنية التحتية والخدمات الأساسية لاستقبالهم ودعم عملية إعادة الإعمار في سوريا.
ويقدَّر عدد السجناء السوريين في لبنان بنحو ألفي شخص، وفق مصادر سورية، عدد كبير منهم معتقلون منذ سنوات بتهم تتعلق بدعم الثورة السورية أو تقديم مساعدات للفصائل المعارضة بين عامي 2011 و2024.
عبدي: قسد جزء من الجيش السوري
من جهة أخرى، أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي أن قواته ستكون “جزءًا من الجيش السوري”، مشيرًا إلى أن اللجنة العسكرية التابعة لـ”قسد” ستتوجه قريبًا إلى دمشق لبحث تفاصيل الدمج.
وقال عبدي، خلال احتفالية بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس “قسد”، إن التعاون مع دمشق سيتواصل في الحرب ضد تنظيم “داعش”، مؤكدًا استمرار التنسيق الأمني والعسكري بين الطرفين.
وجاء تصريح عبدي بعد أيام من إعلان وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة التوصل إلى هدنة ووقف لإطلاق النار في خطوط التماس مع “قسد”، عقب لقاء ثلاثي في دمشق ضم أبو قصرة وعبدي ووزير الخارجية أسعد الشيباني.
ويأتي ذلك تنفيذًا لاتفاق العاشر من آذار/مارس الماضي بين الرئيس أحمد الشرع وعبدي، الذي نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا، وضمان حقوق الأكراد دستورياً، وعودة المهجرين، ورفض دعوات التقسيم.
لكنّ المفاوضات واجهت عقبات خلال الأشهر الماضية، إذ تمسكت الإدارة الذاتية بخصوصية “قسد” ضمن الجيش، فيما أصرت دمشق على وحدة القيادة ومركزية الدولة.
إلغاء قانون قيصر وفتح السفارة الأميركية بدمشق
وفي خطوة وُصفت بـ”التحول التاريخي”، رحبت دمشق بتصويت مجلس الشيوخ الأميركي على إلغاء قانون قيصر الذي فرض على سوريا منذ عام 2019، وأكد وزير الخارجية أسعد الشيباني أن القرار يمثل “بداية عهد جديد“.
وقال الشيباني عبر منصة “إكس“:
“على مدى الأشهر الماضية، وبتوجيه من الرئيس أحمد الشرع، عملنا على رفع أحد أثقل الأعباء التي كبلت وطننا اقتصادياً وسياسياً، قانون قيصر. إن إلغاءه خطوة تعيد إلى سوريا أنفاسها الأولى، وتفتح أمامها طريقاً جديداً نحو البناء والتعافي“.
بدوره، اعتبر وزير المالية محمد يسر برنية أن الخطوة “انتصار للدبلوماسية السورية”، موضحًا أن القانون الجديد سيُدرج في موازنة وزارة الدفاع الأميركية تمهيداً لتوقيع الرئيس دونالد ترامب عليه قبل نهاية العام.
وأشار برنية إلى أن النسخة المعدّلة من القانون تضمنت مادة تدعو إلى إعادة افتتاح السفارة الأميركية في دمشق، ما اعتبره مؤشراً على تغير في الموقف الأميركي تجاه الحكومة السورية الجديدة.
يُذكر أن “قانون قيصر” استند إلى صور سرّبها الضابط المنشق فريد المذهان (المعروف باسم قيصر) عام 2013، ووثّقت انتهاكات واسعة في سجون النظام السابق، وفرضت العقوبات بموجبه على شخصيات وكيانات سورية وإيرانية وروسية متورطة بدعم الأسد.
نداء مسيحي لإلغاء العقوبات
وكان رجال الدين المسيحيون في سوريا وجهوا نداءً عاجلاً إلى الكونغرس الأميركي طالبوا فيه بإلغاء قانون قيصر “بشكل كامل ودائم”، مؤكدين أنه تسبب في هجرة المسيحيين السوريين وأعاق إعادة الإعمار.
وأوضح البيان أن العقوبات حرمت السوريين من أبسط احتياجاتهم، مشيدين بقرار الرئيس ترامب إصدار إعفاء مؤقت من القانون، ومطالبين الكونغرس بالتحرك “لإفساح المجال أمام الاستقرار والعدالة الاجتماعية“.
وثمّن السيناتور الجمهوري جو ويلسون البيان، وقال إنه “يمثل صوت الاعتدال والسلام”، مشدداً على أن إلغاء القانون يجب أن يُدرج في مشروع قانون الدفاع الوطني النهائي.
وأكد البيان الكنسي أن العقوبات ساهمت في تقليص الوجود المسيحي في البلاد و”إفراغ مهد المسيحية من جذوره”، داعياً إلى دعم إعادة بناء الكنائس وتعزيز فرص العمل للشباب للحد من الهجرة.
تعاون قطري–دولي لإنهاء ملف الأسلحة الكيميائية
في سياق آخر، رحبت دولة قطر بتبني المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية قراراً يتعلق بالتدمير السريع لأي بقايا للأسلحة الكيميائية في سوريا.
وذكرت وزارة الخارجية القطرية أن الدوحة تقدمت بمشروع القرار نيابة عن سوريا بصفتها الدولة الممثلة لمصالحها في المنظمة، وحظي القرار بدعم 51 دولة.
وأكد البيان أن هذا التوافق يعكس التزام المجتمع الدولي بإنهاء ملف الأسلحة الكيميائية نهائياً، بما يعزز التعاون بين دمشق والمنظمة ويدعم طيّ صفحة الاتهامات السابقة.
تحركات إسرائيلية جديدة في القنيطرة
ميدانياً، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي أمس الجمعة في بلدة صيدا الحانوت بريف القنيطرة الجنوبي، واعتقلت خمسة سوريين، بينهم راعيا أغنام وثلاثة مزارعين، بحسب وكالة “سانا“.
كما أقامت القوات الإسرائيلية حاجزًا مؤقتًا على الطريق بين الصمدانية الشرقية والعجرف ودققت في هويات المدنيين، وسط استمرار الانتهاكات في الجنوب السوري.
توتر في حي القدم بدمشق
شهد حيّ القدم جنوب العاصمة دمشق مساء أمس توتراً محدوداً إثر خلاف على ملكية عقارات، تطور إلى مواجهات محدودة ذات طابع طائفي.
وذكرت مصادر محلية أن مجموعة من المسلحين هاجمت منازل يقيم فيها سكان من الطائفة العلوية في حارتي العنازة وحي الأسد، مستخدمة أدوات حادة، وطالبتهم بمغادرة المنطقة “لأنهم ليسوا أصحاب الأرض”، قبل أن تتدخل قوى الأمن وتحتوي الحادثة.
ويعود الخلاف إلى نزاع قديم حول أملاك تم منحها لعائلات موالية للنظام السابق خلال الحرب.
تعزيزات روسية ضخمة في اللاذقية
رصدت مصادر محلية وصول تسع طائرات شحن روسية عملاقة من طراز A124 إلى قاعدة حميميم بريف اللاذقية، محمّلة بعتاد عسكري ومعدات ثقيلة.
كما تحركت أربعة أرتال روسية من قاعدة طرطوس البحرية نحو حميميم، ضمت عشرات الشاحنات وصهاريج الوقود.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن التحركات تشير إلى تكثيف روسي لوجوده العسكري في الساحل السوري، وسط غموض حول طبيعة المعدات المنقولة.
تصعيد في السويداء ودير الزور والحسكة
في الجنوب، استهدفت طائرتان انتحاريتان مسيرتان حاجزاً أمنياً للقوات الحكومية شمال غرب السويداء، على طريق دوار العمران – ولغا امس، دون ورود أنباء عن خسائر بشرية.
وفي المقابل، قصفت القوات الحكومية مواقع للمقاومة المحلية في محور كناكر بالأسلحة الثقيلة، في خرق جديد للهدنة المعلنة نهاية أيلول/سبتمبر.
أما في الشرق، فقد أصيب ثلاثة عناصر من الجيش السوري في هجوم بطائرات انتحارية شنّته “قسد” على نقطة عسكرية بقرية المريعية بريف دير الزور، وفق وكالة “سانا“.
وفي ريف الحسكة، نفذت قوات التحالف الدولي مع “قسد” تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية في قاعدة قسرك، بمشاركة الطيران الحربي والمروحي، في إطار رفع الجاهزية القتالية وتعزيز التنسيق العملياتي.
حملة “فزعة منبج” تجمع 11 مليون دولار
في الشمال السوري، أعلنت محافظة حلب أن حملة “فزعة منبج” المجتمعية جمعت أكثر من 11 مليون دولار لدعم إعادة تأهيل البنية التحتية في المدينة.
وشهدت الحملة مشاركة شعبية واسعة ومبادرات رمزية، من أبرزها بيع لوحة تحمل صورة الشهيد عبد الباسط الساروت بمبلغ 25 ألف دولار، خصص ريعها لمشاريع خدمية.
وتعد الحملة امتداداً لسلسلة مبادرات وطنية شهدتها محافظات عدة خلال الأسابيع الماضية، لتعزيز روح المشاركة في إعادة الإعمار.
تعكس التطورات الأخيرة في سوريا مرحلة جديدة من إعادة تثبيت الدولة بعد عام تقريباً من سقوط النظام السابق، تتجلى في الانفتاح الدبلوماسي، وعودة العلاقات مع الجوار، والتحولات الاقتصادية والسياسية.
فالاتفاق مع لبنان يعيد ترتيب العلاقات الثنائية على أسس جديدة بعد عقود من الشكوك، بينما يمثل إلغاء قانون قيصر تحولاً جذرياً في الموقف الأميركي، بما يفتح الباب أمام إعادة دمج سوريا في النظام الدولي.
وفي الوقت ذاته، يُظهر التنسيق العسكري بين دمشق و”قسد” بداية مسار توحيدي قد يضع نهاية لسنوات الانقسام الميداني، رغم استمرار الهجمات المتبادلة والتوترات في دير الزور والجنوب.
أما التحركات الروسية والإسرائيلية في اللاذقية والقنيطرة فتؤكد أن الملف السوري ما زال ساحة صراع إقليمي ودولي، رغم تراجع وتيرة الحرب المباشرة.
وبينما تواصل المبادرات الشعبية مثل “فزعة منبج” تجسيد روح التعافي الأهلي، يبقى مستقبل سوريا مرهوناً بقدرتها على تحقيق المصالحة الوطنية وتوازن علاقاتها الخارجية، في وقت تبدو فيه البلاد مقبلة على مرحلة إعادة بناء شاملة سياسياً واقتصادياً وأمنياً.



