أخباركم – أخبارنا
كتب حسين قاسم
رافقت حرب غزة شعارات متعددة، عبّرت بوضوح عن حقيقة أهداف مطلقيها. وأبرز تلك الأهداف ما عبّر عنه العدو نفسه، والمتمثل بإحداث تهجير فلسطيني جديد، ليس من غزة فحسب، بل من الضفة أيضًا، مع استبعادٍ كلي لأي حلٍّ سياسي للقضية الفلسطينية، لا سيما مسألة إقامة دولة فلسطينية تكون القدس عاصمتها.
زاد الموقف خطورة مع الموقف الأميركي، إذ دعا الرئيس دونالد ترامب فور انتخابه إلى تحويل غزة إلى “ريفيرا”، في خطوةٍ كشفت المنحى التطبيعي والاقتصادي الذي كان يراد فرضه على القضية الفلسطينية. بالمقابل، لم تنفكّ إيران تاريخيًا عن الاستثمار في هذه القضية عبر دعمها لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، وصولًا إلى الحرب الأخيرة، حيث أعلنت منذ أيامها الأولى استعدادها للتفاوض مع الغرب وأميركا بشأنها.
إلا أنّ ما حدَّ من تهافت القوى الإقليمية والدولية على الاستثمار في الدم الغزّاوي هو الأثر المدوّي لموقعة السابع من أكتوبر، التي أحدثت زلزالًا عميقًا هزّ الكيان الغاصب من الداخل، وعرّضه لمواجهة معركة وجودية مخلخلة لأسس الفكرة الصهيونية نفسها. وفي المقابل، أطلقت تلك العملية أكبر حملة عالمية لدعم إسرائيل، فجاء الرد الإسرائيلي قاسيًا، دمويًا، وجذريًا إلى حدّ التورط في حرب إبادة فعلية ضد الشعب الفلسطيني.
مع ذلك، تبرز مسألة جوهرية لا يمكن تجاوزها: الفشل الذريع لأجهزة استخبارات العدو في اكتشاف عملية الطوفان الفلسطيني، وتعرّض جبهة غلاف غزة لانهيار شبه كامل في دفاعاته. وبهذا، تُسجَّل نقطة مهمة لصالح المقاومة الفلسطينية، إذ أثبتت أنّ تشكيلاتها غير مخترقة من الاستخبارات الإسرائيلية، في حين كانت فكرة “الاختراق” و”الخيانة” تلاحق نضال الفلسطينيين منذ ما قبل النكبة عام 1948، حين روّج العدو وأعوانه أنّ الفلسطينيين باعوا أرضهم وأنّ صفوفهم مُخترقة. جاءت معركة السابع من أكتوبر لتدحض هذه الرواية من أساسها.
لقد عجز العدو طوال الحرب الأخيرة، التي امتدت لعامين، عن تحقيق أي اختراق يُذكر، أو استعادة أي رهينة. حتى إنّ مقتل قائد الحركة في القطاع جاء صدفة. في المقابل، شهد حزب الله في لبنان اختراقات استخبارية مذهلة فاقت كل التصورات، أدّت إلى اغتيال زعيمه التاريخي حسن نصر الله، وقيادات الصفوف الأولى والثانية والثالثة، في سلسلة عمليات ما زالت مستمرة حتى اليوم.
في هذا السياق، برزت عملية البيجرز كأكبر عملية استخبارية منذ الحرب العالمية الثانية، إذ غيّرت مجرى المعركة في لبنان والإقليم، وفتحت الباب أمام انهيار القدرة العسكرية لحزب الله، وهو انهيارٌ أدى لاحقًا إلى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، ما مثّل عمليًا قطعًا لأوصال المحور الإيراني في المنطقة.
هذه الوقائع تطرح تساؤلات عميقة حول أسباب الانهيار الأمني بهذا الحجم، وتنقل موضوعة “الخيانة” من الساحة الفلسطينية إلى الساحة اللبنانية. لكنّ ما كشفته حرب الظل بين إيران وإسرائيل أظهر بوضوح أنّ حجم الاختراقات الإسرائيلية للأجهزة الإيرانية كان واسعًا إلى درجةٍ جعلت طريق الاختراق يمتد من طهران إلى بيروت، لتتحمل إيران مسؤولية مباشرة في إيصال لبنان إلى هذا الانكشاف الأمني غير المسبوق.
بعد توقف حرب غزة، يمكن القول إنّه لولا النجاح الصهيوني الذي حققه العدو في إيران ولبنان، لما تحقق هذا التفوق العسكري والسياسي الإسرائيلي، الذي سيتُرجم لاحقًا بمكاسب سياسية لم يكن العدو ليحلم بها لولا الإخفاق الإيراني الكبير، المضاف إلى سلسلة إخفاقاته وتآمره على الدور العربي، واستغلاله للقضية الفلسطينية في سبيل مصالحه وطموحاته التوسعية.
ومع ذلك، يبقى الاستنتاج الأساسي ثابتًا: إنّ توقيت الطوفان الفلسطيني وما رافقه من تطورات على مختلف الجبهات، أدّيا إلى تدمير غزة وتغيير المشهد السياسي في الشرق الأوسط كليًا لصالح العدو، وهو واقعٌ ما كان ليحدث لولا الدور التخريبي لقوى “الممانعة” برئاسة إيران منذ سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، والى انهيار منظومة الايديولوجيات والأفكار التي رافقت مسألة تحرير فلسطين منذ النكبة العام 1948 حتى اليوم مروراً بهزيمة حزيران 1967.



