أخباركم – أخبارنا
مسعود محمد
في اللحظة التي شاهد فيها العالم مشهد تبادل الأسرى بين إسرائيل وحركة حماس، بدا أن الشرق الأوسط يطوي صفحة كاملة من تاريخه السياسي والعسكري.
الدموع في غزة، والأعلام في تل أبيب، والاتصالات الساخنة بين القاهرة وواشنطن؛ كلّها بدت كأنها تُعلن نهاية مرحلة المقاومة المسلحة وبداية زمن التفاهمات.
لكنّ السؤال الذي يتردّد في أذهان كثيرين في لبنان والعالم العربي هو: ماذا لو كان حسن نصرالله بيننا اليوم؟ ماذا كان سيقول؟
لو خرج نصرالله ليعلّق على ما يجري، لكان خطابه – على الأرجح – مزيجاً من النصر والإنذار، من العاطفة والمكابرة.
كان سيبدأ بالعبارة التي لطالما افتتح بها خطاباته بعد كل حرب:
“نبارك للمجاهدين وللأسرى المحرّرين، ونقول إن المقاومة لا تهزم، وإن الدم لا يضيع هدراً.”
لكنه ما كان ليستطيع أن يخفي قلقه.
فما جرى في غزة اليوم لا يشبه ما جرى في لبنان عام 2006، ولا حتى ما جرى في صفقات التبادل السابقة.
الاختلاف جوهري: فحماس التي كانت يوماً رأس حربة “محور المقاومة”، تسلّم الأسرى بإشراف الصليب الأحمر، وتُعلن تجميد السلاح تحت رعاية أميركية ومصرية.
إنها لحظة انتصار إنساني… لكنها هزيمة للعقيدة العسكرية التي عاش عليها نصرالله طوال أربعة عقود.
كان نصرالله سيحاول، كعادته، تحويل التبدّل السياسي إلى “نصر رمزي”.
ربما كان سيقول:
“المقاومة لا تُقاس بما يُسلَّم من سلاح، بل بما يبقى من إرادة.”
ثم يضيف بمرارةٍ مضمرة:
“من يسلّم بندقيته يُسلّم قراره، ومن يجمّد سلاحه يجمّد حريته.”
لكنّ الواقع لا يرحم الشعارات.
ففي الوقت الذي تتجه فيه غزة إلى هدنة طويلة الأمد، تتراجع إيران خطوة إلى الوراء، وتفتح سوريا قنوات تفاهم مع بيروت، وتجلس القوى الإقليمية على طاولة واحدة برعاية واشنطن والقاهرة والرياض.
وفي هذه الطاولة الجديدة، لا مكان للبندقية غير الخاضعة للدولة.
من هنا، تصبح كلمات نصرالله – لو قيلت – رثاءً متأخراً لزمنٍ انتهى أكثر مما هي بشارة بنصرٍ جديد.
فـ”المقاومة” التي كانت مشروعاً عابراً للحدود، عادت إلى حدودها الوطنية، مقيدةً بالهدن، محكومةً بلغة الدبلوماسية، ومطوّقة بقرارات مجلس الأمن والوساطات الإقليمية.
أما لبنان، الذي عاش عقوداً في ظل خطاب “وحدة الساحات”، فها هو اليوم أمام سؤالٍ وجودي:
هل يريد أن يبقى في زمن السلاح وحده، بينما العالم من حوله يكتب تسوياته الجديدة؟
هل يُعقل أن تُرسم ملامح الشرق الأوسط الجديد من شرم الشيخ… وتبقى بيروت رهينة خطابٍ لم يعد يسمعه أحد إلا الماضي؟
لو كان نصرالله بيننا اليوم، لكان قال كعادته:
“نحن لا نُهزم.”
لكنّ المشهد في غزة، وتحت كل هذا الركام، كان سيهمس له بالجواب:
“ربما لم تُهزم بعد… لكن زمنك بدأ يرحل.”



