أخباركم – أخبارنا
اختُتمت في العاصمة الروسية موسكو، الأربعاء، مباحثات مطوّلة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره السوري أحمد الشرع، استمرت أكثر من ساعتين ونصف، في أول زيارة رسمية للرئيس السوري إلى الكرملين منذ توليه السلطة عقب سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد أواخر عام 2024.
وعُقد اللقاء في القاعة الخضراء بالقصر الكبير في الكرملين، تلاه إفطار عمل موسع بحضور وفدي البلدين، في جلسة وُصفت بأنها “الأكثر أهمية في مسار العلاقات السورية – الروسية منذ عقود”.
مباحثات معمقة حول العلاقات العسكرية والسياسية
وبحسب مصادر دبلوماسية سورية، ركّزت المباحثات على الملفات العسكرية والأمنية، حيث سعى الوفد السوري للحصول على ضمانات من موسكو بعدم إعادة تسليح بقايا القوات الموالية للنظام السابق، وطلب في المقابل مساعدة روسية في إعادة بناء الجيش السوري الجديد وهيكلته.
ونقلت وكالة “رويترز” عن تلك المصادر أن الرئيس الشرع طرح على نظيره الروسي فكرة إعادة نشر وحدات من الشرطة العسكرية الروسية في بعض المناطق الحساسة، لمنع أي خروقات جديدة من الجيش الإسرائيلي في الجنوب السوري.
وأشار الكرملين إلى أن ملف القواعد العسكرية الروسية في سوريا شكّل محورًا رئيسيًا للنقاش، حيث تطرقت المحادثات إلى مستقبل قاعدتي حميميم الجوية في اللاذقية وطرطوس البحرية على الساحل السوري، إضافة إلى الوجود العسكري الروسي في مطار القامشلي شمال شرق البلاد.
وفي هذا السياق، أكّد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن “موضوع القواعد الروسية أُثير بالفعل خلال اللقاء”، في إشارة إلى رغبة دمشق في إعادة تعريف طبيعة الوجود العسكري الروسي ضمن اتفاقات جديدة “تراعي السيادة السورية وتوازن المصالح المشتركة”.
الشرع: نريد إعادة ضبط العلاقات مع موسكو
وخلال اللقاء، شدّد الرئيس أحمد الشرع على أن “سوريا الجديدة تسعى إلى إعادة ضبط علاقاتها مع روسيا بما يضمن استقلال القرار السوري وسلامة ووحدة الأراضي، واستقرار البلاد في إطار الأمن الإقليمي والعالمي”.
وأضاف الشرع أن “سوريا تحترم كل الاتفاقيات السابقة مع موسكو”، مشيرًا إلى أن “البلدين يرتبطان بروابط تاريخية طويلة، وأن الجزء الأكبر من البنية التحتية السورية، في مجالات الطاقة والنقل والتعليم، يحمل بصمات روسية”.
بوتين: علاقاتنا مع سوريا تاريخية وتستند إلى مصالح الشعب السوري
من جهته، أشاد الرئيس فلاديمير بوتين بالعلاقات التاريخية التي تجمع البلدين، مؤكداً أن “علاقات روسيا مع سوريا كانت دائماً ذات طابع ودي خالص، وتطورت على مدى عقود لتصبح شراكة خاصة قائمة على المصالح المشتركة”.
وأضاف بوتين أن “موسكو تنظر إلى استقرار سوريا بوصفه ركيزة مهمة لاستقرار الشرق الأوسط”، موضحاً أن “روسيا تريد مصلحة الشعب السوري، وكانت تلك المصلحة هي التي تحركها دوماً”.
الملف الاقتصادي: نحو شراكة طويلة الأمد في الطاقة والبنى التحتية
وشكّلت الملفات الاقتصادية محورًا مهمًا من مباحثات الرئيسين، إذ يسعى الجانب السوري إلى الحصول على دعم روسي مباشر في مجالات الطاقة والقمح وإعادة الإعمار.
ونقلت “رويترز” عن مصادر مطلعة أن دمشق طلبت من موسكو استئناف توريد القمح بشروط ميسّرة، وتقديم تعويضات أو مساعدات فنية لتعويض الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية الزراعية والصناعية خلال الحرب.
التعاون الإنساني والغذائي
وتطرقت المباحثات أيضًا إلى الملفات الإنسانية، حيث أكد نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أن “الجانب السوري أبدى اهتمامًا بالحصول على القمح الروسي والمواد الغذائية والأدوية”، موضحًا أن “موسكو ستواصل تقديم الدعم الإنساني لدمشق في مجالات الغذاء والطب والإمدادات الأساسية”.
وأشار إلى أن “هذه القضايا ستُبحث بتفصيل أكبر خلال اجتماعات اللجنة الحكومية المشتركة المرتقبة”، مؤكداً أن روسيا تعتبر “الاستقرار الغذائي والصحي في سوريا جزءاً من مسؤوليتها الأخلاقية تجاه حليفها التاريخي”.
ملف بشار الأسد: مطالب رسمية بتسليمه
في موازاة ذلك، نقلت مصادر سورية أن الرئيس أحمد الشرع طلب رسميًا من موسكو تسليم الرئيس المخلوع بشار الأسد، الذي تستضيفه روسيا منذ سقوط نظامه، لمحاكمته بتهم “الجرائم ضد السوريين”، مشيرًا إلى أن هذا الطلب يأتي في إطار “الالتزام بمسار العدالة الانتقالية دون الدخول في صراع مع موسكو”.
وكان الشرع قد صرّح في وقت سابق بأن “الانخراط في صراع مع روسيا الآن سيكون مكلفاً للغاية بالنسبة لسوريا ولن يخدم مصلحة البلاد”.
الموقف الروسي: رفض رسمي مؤقت وتريّث سياسي
ولم يصدر عن الكرملين أي إعلان رسمي بشأن موقفه من طلب الرئيس السوري تسليم بشار الأسد، إلا أن مصادر دبلوماسية روسية أشارت إلى أن موسكو لا تنوي في الوقت الراهن تسليم الرئيس المخلوع، معتبرة استضافته “لجوءًا إنسانيًا مؤقتًا” جرى وفق تفاهمات داخلية عقب سقوط نظامه.
وأكدت تلك المصادر أن الكرملين يتعامل مع الملف بحذر شديد، نظراً لحساسيته السياسية والقانونية، وأن أي خطوة في هذا الاتجاه “لن تُتخذ إلا في إطار تفاهمات دولية تضمن للأسد محاكمة عادلة وفق القانون الدولي”.
وأضافت أن موسكو “تفضّل التريّث في هذه المرحلة لتجنّب أي توتر في العلاقات مع دمشق الجديدة، أو المساس بمصداقيتها كوسيط دولي”، مشيرةً إلى أن الموضوع أُدرج ضمن القضايا المؤجّلة للنقاش لاحقاً في إطار العدالة الانتقالية.
وبهذا الموقف، يبدو أن روسيا اختارت عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع القيادة السورية الجديدة، وفي الوقت نفسه تجنّبت منح الأسد غطاءً سياسياً دائماً، ما يُبقي الملف مفتوحاً أمام تفاوض قانوني ودبلوماسي طويل الأمد.
خاتمة
بهذه الزيارة، تفتح دمشق وموسكو فصلًا جديدًا من العلاقات الثنائية بعد سنوات من الغموض والتباين، لتعيد سوريا تموضعها في الفضاء الروسي من موقع الدولة المستقلة لا التابعة، في حين تؤكد موسكو أنها باقية في سوريا شريكًا لا وصيًا، في مرحلة ما بعد الحرب وإعادة البناء.
ويبدو أن مباحثات الكرملين، التي استمرت ساعتين ونصف، قد أرست ملامح تحالف جديد يوازن بين المصالح الاستراتيجية والأولويات الوطنية، ويمهّد لمرحلة من التعاون المتعدد الأبعاد بين البلدين.



