أخباركم – أخبارنا
كتب حنا صالح في صبيحة اليوم 2192 على بدء ثورة الكرامة
بين 17 تشرين2019 و17 تشرين 2025 يكون قد مر 6 أعوام على أعمق ثورة بتاريخ لبنان.
من الاخر ، تراجعت الثورة مع انكفاء النخب وهجرة واسعة هي اقرب الى التهجير ، وأداء فيه الكثير من جوانب من القصور النسبي من جانب اكثرية النواب الذين أوصلتهم الثورة إلى البرلمان، كما لم تنصف الثورة مع قيام العهد الجديد، رغم اليد الطولى لها في وصول القاضي نواف سلام إلى السراي. لكن هناك كوة ضوء لتغيير مسار البلد، أساسها تقدم ثقافة المحاسبة لدى المواطنين الذين ترجموا ذلك في مناسبات شتى أبرزها التصويت العقابي الجارف (أكثر من 400 ألف صوت) ضد كل الطبقة السياسية، فأعلونها مدوية: لسنا رعايا ولسنا أتباع بل أحرار إلى آخر الزمان..
لا يبدل الوضع الدقيق والحساس الذي يمر به البلد من هذا الأمر. فحال التراخي السلطوي حينا والمراوحة ثانية رغم نكبة حرب “الإسناد” وما أسفرت عنه من كارثة متعددة الاوجه لا طاقة للبنانيين على تحمل أوزارها، أمر ما كان ليكون بهذه الفجاجة لولا تاريخ الدولة العميقة، دولة المحاصصة الطائفية والمذهبية المتأصلة، التي لم تفتح التعيينات الواسعة في مراكز المسوءولية الباب لتفكيكها. فاستمر التأثير السلبي الكبير على قرار البلد من خلال شراكاتٍ نيابية ووزارية وإدارية وصفقاتٍ، جمعت أطراف الطبقة السياسية التي تحاصصت السلطة ومقدرات البلد وغطت وتشاركت في نهب جني الأعمار، وغطت إختطاف الدولة وتساكنت مع تسليم قرار البلد إلى حزب الله.
بعد 10اشهر على بدء العهد الجديد ووعود خطاب القسم وتعهدات البيان الوزاري، لم يتحقق الكثير لا في مسار استعادة الدولة ولا في مسار المحاسبة والعدالة، لا بل مع كل ما يجري تبدو المحاسبة معلقة والعدالة للبنان واللبنانيين ممنوعة. عموما انها السياسات نفسها تتناسل لجهة إشغال الناس بالبحث عن الرغيف وحبة الدواء ودقائق من التيار الكهربائي .. اتفاق وقف النار المذل، المسوءول عنه اولا رعونة حزب الله وارتهانه القرار الايراني وثانيا بري الشريك في الثنائي المذهبي، لم يتم تنفيذه رغم مرور نحو ١١ شهرا عليه، ولبنان بامس الحاجة لتنفيذه لانه بات ملزما للبلد. وبدون حصر السلاح سيبقى لبنان ساحة مستباحة امام الإجرام الصهيوني كما بالأمس وقبله، مستحيل ملاقاة المجتمع الدولي لخوض مواجهة سياسية وديبلوماسية تحرر الارض وترسي اسس اعادة الإعمار والعودة المستدامة وهنا التراخي كارثة سيكون لها اخطر التداعيات. اما الاصلاح والحقوق فحدث ولا حرج ويكفي التوقف عند ما أعلنه قبل ايام الوزير غسان سلامة لروءية ما اصبحت عليه الامور يقول سلامة:
”اقررنا قانون السرية المصرفية ولكن لم نقر حتى اليوم المراسيم التطبيقية، كما اقررنا قانون اصلاح القطاع المصرفي لكنه ما زال معلقا، وهناك قوانين اخرى مصيرها كمصير سابقاتها.”
ومن هنا نسأل: كيف لنا من دون رفع السرية المصرفية ان نحاسب الفاسدين ونستعيد الاموال المنهوبة؟ وكيف لنا من دون تطبيق قانون حقيقي وعادل لاصلاح المصارف ان نصلح مصارفنا الـ Zombie؟
ان القوانين كلها باتت حبرا على ورق، والاصلاحات مجرد شعارات للتسويق السياسي، والتذاكي على المجتمع الدولي هو سيد الموقف، فيما سياسة الهروب الى الامام لا تزال سائدة.
بشحطة قلم تم اطلاق لص المركزي رياض سلامة في فضيحة تبييض اموال غير مسبوقة ( من اين له دفع كفالة نقدية بقيمة ١٤ مليون دولار) وتم الإفراج عن مرتكبين في مغارة الكازينو وألعاب الميسر غير المشروعة.. وتوازيا اموال الناس منهوبة، وفي عهد العدالة الموعودة ما من فاسد وراء القضبان بعد ٩ اشهر ونيف على قيام الحكومة.. والأخطر اليوم هو استمرار المنحى الذي أرساه رياض سلامة بتحميل المواطنيين وزر المنهبة، فعملية تذويب الودائع متواصلة وكل ما يشاع عن الأفكار المطروحة لمعالجة ما اسموه الانتظام المالي يهدد بان يفضي إلى سطو خطير على أصول لبنان من الذهب. وهنا تلتقي السلطة في هذا النهج مع منظومة الفساد قاطبة أي كل شركاء نهج المحاصصة، أي التحالف المافياوي اياه الذي تحاصص البلد ومقدراته لعقود طويلة وارسل اللبنانيين إلى الجحيم .
هذه هي الصورة بدون رتوش ولا مبالغة ومن شأن ذلك خلق مناخ من الإصرار على المساءلة، إن بلورت النخب الجديدة المبعدة عن أي دور، أدوات كفاحية سياسية منظمة، توفر لها الأساس الطبيعي لتجديد المناخ التشريني الكامن والذي بوسعه كسر الحواجز المناطقية والطائفية، وكسر السائد كما حدث في العام ٢٠٢٢ عندما تم التصويت للتغيير، كتأكيد على إعتزامهم إستعادة الدولة المخطوفة بالسلاح والطائفية ليستعاد العمل بالدستور وفرض المحاسبة فيتم إسقاط الحصانات ونظام الإفلات من العقاب!
رغم بعض الومضات بشان السيادة فان القديم مسيطر، الطغاة في مواقعهم : ناهبون يحاضرون بالعفة، مدعى عليهم بجناية “القصد الإحتمالي” بالقتل في جريمة تفجير المرفأ والعاصمة، يقودون اللجان النيابية مثل اللجنة المالية ولجنة الإدارة والعدل!.. يحدث كل ذلك لأن ولادة الجديد تأخرت.
الجديد ما زال ممكنا ويفترض ابتداع أداة كفاحية موثوقة، ولتكن البداية شبكة امان وطنية تعكس في تركيبتها النسيج التشريني الوطني العابر للمناطق والطوائف، لتكون البديل عن أحزاب طائفية وحتى مذهبية إستبدلت الدولة بالمزرعة وإرتاحت في ممارسة تسلطها إلى فتاوى وبدع حلّت مكان الدستور لتساهم بعيون مفتوحة في إنهيار البلد وسقوط كل القيم. وها هم في “موالاة” نظام المحاصصة الطائفي الغنائمي و”معارضته”، شركاء في الإمتناع عمداً منذ بداية الإنهيار المدبر والمشغول عن إتخاذ أي تدبير أو خطوة لمصلحة الناس، اودفاعاً عن شأنٍ وطني عام.
آن أوان مغادرة الرومانسية، آن أوان أن يكون المناخ الثوري الكامن عادلا مع نفسه وحيال المؤمنين بالتغيير. التحديات كبيرة تفترض إشغال الفكر والعقل بحثاً عن بديل مستدام في معركة تغيير مريرة وطويلة، وعدم الرضوخ لقدرية مفادها أن الزمن الحالي نقيض العمل السياسي المنظم، وخصوصاً العمل السياسي الأفقي الذي يذهب إلى الناس ومعهم يشيد البديل الذي ينهي الخلل الوطني في ميزان القوى، مع قيام “الكتلة التاريخية” الشعبية العابرة للطوائف.
ودعونا نتذكر أن الناس بحسها وشجاعتها كسرت هيبة السياسيين كبيرهم قبل صغيرهم وارّقتهم، ودعونا نتذكر أن مواطنينا في ثورة تشرين أثبتوا نبذهم للتطرف وأثبتوا أن حركة شعبية لا عنفية نمت على ضفتي الإنقسام الآذاري الطائفي، أرعبت كل التحالف المافياوي وأسقطت محاولات الإستيعاب والتطويع، هي وحدها طريق نهاية تحكم تحالف ميليشيا الحرب والمال المستمر منذ بداية التسعينات.



