أخباركم – أخبارنا
بدرية عيتاني
البيت الذي يُشبهني البيوت مرآة الأرواح، فهي ليست مجرّد جدران وأثاث، بل أرواح قائمة تحكي قصصاً صامتة وتكشف عن عوالم خفية. هناك بيوت تتسلل إلى قلبك منذ اللحظة الأولى، دون أن تطرق باب روحك بعنف، فتجد نفسك متعلقاً بها، تشعر بالألفة كما لو كانت جزأً من كيانك. مثل هذه البيوت تمنحك دفءً دون سؤال، كأنها تقول لك: “أنت هنا، في مكانك، في بيتك.” وفي المقابل، هناك بيوت وإن طالت عشرتك لها، تبقى غريبة، مغلقة على أسرارها، لا تُفصح عن خباياها مهما حاولت الاقتراب منها. هي بيوت ترتدي أقنعة كما يرتدي بعض الناس، تخفي وراء جدرانها وجوه لا تراها، ولا تستطيع أن تقرأ فيها شيئاً من الراحة أو السكون. أنت فيها، ولكنك غريب، تبقى تحاول أن تجد مكانك دون جدوى، كمن يحاول أن يحتضن الفراغ. ثمّة بيوت محطمة، تقف وسط الخراب شامخة، مثل النفوس التي تأبى الاستسلام رغم كل ما مرت به. هي البيوت التي عانت، ولكنها رفضت أن تنهار، تماماً كإنسان محطم نفسياً، يكمل طريقه بثبات رغم الجراح، مؤمناً أن الشموخ ليس في الكمال بل في الاستمرار. إنه مزاج الأماكن، ذبذباتها التي تنساب إلى قلبك من النظرة الأولى. البيت الذي يُشبهني، نوافذه تفتح على العالم دون فضول، دون تجسس، فأنا لا أحتاج أن أعرف أسرار الآخرين لأشعر بالراحة. أثاثه بسيط، لم يُختر لإبهار أحد، لأن البيت الحقيقي لا يحتاج إلى بهرجة ليعبر عن ذاته. كل شيء فيه نقي وصافٍ، أبيض وشاسع كفضاء النفس حين تكون متصالحة مع ذاتها. أشجار تحيطه وسماوات تحرسه، وكأن الطبيعة قد باركت هذا المكان بالسلام. حمداً لله على بيتٍ يعكس روحي، على مكان أجد فيه نفسي، لا يُخفي شيئاً ولا يطلب شيئاً، سوى أن أكون أنا. ولكن الحرب القاسيه دمرت بيوتنا ودمرت ذكريا تنا،او بالاحرى دمرت وطن بكامله.



