الخميس, مايو 21, 2026
17.4 C
Beirut

لبنان في عين الكنيسة: حين يتحوّل وطن صغير إلى قضية كونية

نشرت في

أخباركم – أخبارنا

مسعود محمد

في كل مرة تهتزّ فيها الأرض تحت أقدام لبنان، تهتزّ في المقابل أروقة الفاتيكان. فهذا البلد الصغير، المعلّق بين البحر والجبل، ليس بالنسبة إلى الكرسي الرسولي مجرد مساحة جغرافية أو بلد شرق أوسطي آخر؛ إنه “الرسالة”، كما وصفه البابا يوحنا بولس الثاني عام 1997، يوم قال عبارته الشهيرة: “لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة حرية ونموذج للتعددية للعالمين العربي والغربي.” لم تكن تلك العبارة توصيفًا أدبيًا، بل منهجًا سياسيًا وروحيًا يرسم نظرة الفاتيكان إلى لبنان حتى اليوم: بلدٌ يجسد فكرة العيش المشترك، والتوازن بين الإسلام والمسيحية، والحرية الدينية في منطقة يطغى عليها العنف والانغلاق.

يُنظر في الفاتيكان إلى لبنان باعتباره آخر معاقل الحضور المسيحي الفاعل في الشرق الأوسط. فهو البلد الوحيد الذي ما زال يمنح المسيحيين موقعًا متقدمًا في الحكم والدستور والإدارة، ويتيح لهم شراكة متكافئة مع المسلمين في إدارة الدولة. بالنسبة للباباوات المتعاقبين، نجاح لبنان يعني بقاء الأمل في أن المسيحية والإسلام يمكن أن يتعايشا في سلام داخل دولة واحدة. ومن هنا يأتي حرص الفاتيكان على ألا يفقد لبنان تنوعه أو توازنه، لأن سقوطه سيكون في نظر الكنيسة نهاية الحلم المشرقي بالتعددية.

في لبنان تتمركز البطريركية المارونية، وهي الأقدم والأقرب إلى الكرسي الرسولي، إضافة إلى كنائس كاثوليكية شرقية أخرى تتبع مباشرة للفاتيكان. ولهذا ينظر الكرسي الرسولي إلى لبنان كحاضنة كنسية مركزية، ليس فقط للمسيحيين اللبنانيين بل لمسيحيي سوريا والعراق والأردن أيضًا. ومنذ اندلاع الحروب الإقليمية صار لبنان الملجأ الطبيعي للمسيحيين العرب، ولهذا يرى الفاتيكان أن سقوطه السياسي أو الاقتصادي يهدد الوجود المسيحي بأكمله في المنطقة.

ويتمسك الفاتيكان بما يسميه “الحياد الإيجابي” في الصراعات، لكنه يعتبر لبنان الجسر الأكثر حساسية بين الشرق والغرب. فمن بيروت تطل الكنيسة الكاثوليكية على العالم العربي بثقافته وإسلامه، ومن خلالها تبعث برسائلها الحوارية إلى أوروبا. لذلك، عندما اهتزّ لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، أطلق البابا فرنسيس نداءً عاجلاً قال فيه: “لا يمكن أن يُترك لبنان يغرق. فقدانه يعني نهاية التوازن في الشرق الأوسط.” تلك العبارة تعبّر عن جوهر الاهتمام الفاتيكاني: أن لبنان ليس مسألة محلية بل مسألة كونية تمسّ فكرة التعايش بين الحضارات.

منذ القرن التاسع عشر، كان لبنان منطلق النهضة الفكرية العربية الحديثة. من مدارسه وأديرته خرج المفكرون والكتّاب والمترجمون الذين طبعوا الثقافة المشرقية بطابع التنوير. ويرى الفاتيكان في هذا الإرث الثقافي جزءًا من دوره الروحي، لأن اللبنانيين المسيحيين جسّروا بين العربية والمسيحية والحداثة الأوروبية. ولهذا يستثمر الكرسي الرسولي في الجامعات والمدارس الكاثوليكية اللبنانية، لأنها في نظره مصانع فكر وإنسانية، لا مجرد مؤسسات تعليمية.

وبعد الأزمة الاقتصادية وانهيار العملة، تحوّل الفاتيكان إلى أحد أبرز الداعمين الإنسانيين للبنان، عبر مؤسساته الخيرية وشبكة الكنائس التابعة له حول العالم. وفي عام 2021 دعا البابا فرنسيس إلى “يوم صلاة عالمي من أجل لبنان”، شاركت فيه بطريركيات الشرق ووفود دينية من كل الأديان، في مشهد نادر جمع الأديان على نية وطن واحد. وبالنسبة للفاتيكان، إنقاذ لبنان واجب إنساني وأخلاقي، لأنه يعني حماية نموذج العيش المشترك في عالمٍ يتفكّك على وقع التطرف والانغلاق.

اهتمام الفاتيكان بلبنان ليس شأنًا طائفيًا، بل دفاع عن فكرة وجودية: أن الشرق لا ينهض إلا بتعدد أبنائه، وأن الحوار أقوى من الحرب. ولهذا كرر البابا فرنسيس دومًا: “لبنان لا يمكن أن يُفقد، لأن فقدانه هو فقدان للتوازن في الشرق، وللأمل في أن يبقى الشرق بيتًا لكل أبنائه.” فلبنان، في نظر الكرسي الرسولي، ليس وطنًا فقط، بل ضمير الشرق وصوته الأخير في زمنٍ تتعالى فيه ضوضاء الانقسام.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الكذب بوصفه آلية دفاع: حزب الله وأزمة تبرير الهزيمة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد حين تعجز السياسة عن تفسير الكارثة، تتقدّم الأسطورة. وحين...

غسان الرفاعي … رفيقٌ رحل، ومثالٌ باقٍ

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد مات غسان الرفاعي، ويا مية خسارة على الرجال. ليست العبارة...

نعم نحن منقسمون: بين دولة تحمي الجميع وسلاح يعرّي الجميع!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الزميل عماد مرمل في الجمهورية مقاربة تنطلق من...

الحزب الشيوعي السوداني: ذاكرة شخصية، وتاريخ حزب، ومأساة وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد مقدمة شخصية ارتبطتُ في شبابي بعلاقة عاطفية عميقة مع...

More like this

غسان الرفاعي … رفيقٌ رحل، ومثالٌ باقٍ

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد مات غسان الرفاعي، ويا مية خسارة على الرجال. ليست العبارة...

في ذكرى اغتيالك يا مهدينا “مهدي عامل” أدركنا!

اخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد في الثامن عشر من أيار/مايو 1987، استشهد الرفيق مهدي...

دعوة إلى حوار يساري لبناني بلا أوهام: بين فلسطين، السلاح، والدولة

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد نحن، كيسار لبناني، لا نقف اليوم أمام خلاف سياسي...