أخباركم – أخبارنا
إعداد: وحدة الشؤون السورية
المصادر: سكاي نيوز عربية، إندبندنت عربية، إناب بلدي، وكالة فرانس برس، وزارة الخارجية الأمريكية، تصريحات وتحليلات ميدانية.
📌 المقدمة
تعيش محافظة إدلب شمال غربي سوريا على وقع اشتباكات هي الأعنف منذ مطلع العام بين أجهزة الأمن السورية ومجموعة مسلّحة يقودها الفرنسي السنغالي عمر أومسن، زعيم ما يُعرف بـ «فرقة الغرباء» التي تضم عشرات المقاتلين الأجانب وعائلاتهم، ومعظمهم من الجنسية الفرنسية أو البلجيكية.
العملية الأمنية التي بدأتها دمشق جاءت بعد تقارير عن نشاط مستقل للجماعة خارج سلطة الدولة، ما اعتبرته السلطات “خرقاً لسيادتها ورفضاً لمبدأ دمج السلاح في مؤسسات الدولة”.
📍 خلفية العملية: سياق سياسي وأمني
منذ عام 2022 تبنّت الحكومة السورية سياسة “الفرز والاحتواء” تجاه الفصائل المسلحة، مستندة إلى محدّدين رئيسيين:
- عدم السماح باستخدام الأراضي السورية منطلقاً لاستهداف أي دولة صديقة أو مجاورة.
- حصر السلاح في يد الدولة فقط، ودمج الراغبين بالانخراط ضمن المؤسسات العسكرية والمدنية الرسمية.
إلا أن جماعات عدّة – خصوصاً المكوّنة من مقاتلين أجانب – ظلت تراوغ أو ترفض هذه البنود، وفي مقدمتها فرقة الغرباء التي يقودها عمر أومسن، والتي اتُّهمت مؤخراً بإقامة ما يشبه “منظومة حكم محلية” داخل منطقة حارم قرب الحدود التركية، تشمل محاكم شرعية وجهازاً أمنياً خاصاً، وسلاحاً خارج سلطة الدولة.
⚔️ ما الذي حدث في إدلب؟
بحسب مصادر ميدانية نقلت عنها سكاي نيوز عربية وإندبندنت عربية، نفّذت وحدات أمنية سورية عملية تطويق واسعة فجر الثلاثاء على مخيم الغرباء في ريف حارم الشمالي، حيث يتحصّن مقاتلون أجانب بقيادة أومسن.
اندلعت اشتباكات متقطعة بعد رفض عناصر الفصيل تسليم أنفسهم أو سلاحهم، وتحدثت المصادر عن سقوط قتلى وجرحى دون أرقام دقيقة حتى الآن.
صحيفة “العين” نقلت أن أحد الأسباب المحتملة للتحرك هو حادثة اختطاف طفلة فرنسية وطلب فدية، اتُّهم بها عناصر من فرقة الغرباء، غير أن الجماعة نفت الاتهام واعتبرته “ذريعة لتصفية حسابات” مع الجهاديين الأجانب.
من جهته، نشر أومسن عبر قنوات مغلقة في تطبيق تلغرام تسجيلات صوتية اتهم فيها الاستخبارات الفرنسية بتدبير العملية عبر “تنسيق غير مباشر مع جهات سورية”، في حين لم يصدر حتى الآن بيان رسمي من دمشق يؤكد أو ينفي مصيره.
🧩 من هو عمر أومسن؟
الاسم الحقيقي عمر ديابي، من مواليد داكار – السنغال (1976)، نشأ في مدينة نيس الفرنسية، وكان معروفاً في أوساط المهاجرين قبل أن يتجه نحو الفكر الجهادي.
برز منذ 2012 كأحد أبرز المروّجين الدعائيين للمقاتلين الفرنسيين في سوريا عبر سلسلة فيديوهات تحمل عنوان “من نيس إلى الجهاد”.
وصل إلى سوريا في عام 2013، والتحق بـ جبهة النصرة، ثم أسس فصيله الخاص «فرقة الغرباء» الذي ضم عشرات الفرنسيين والبلجيكيين.
أُعلن عن مقتله عام 2015، لكنه ظهر حياً في مقابلة تلفزيونية فرنسية عام 2016، قبل أن تضعه وزارة الخارجية الأمريكية على قائمة الإرهاب العالمية في 16 سبتمبر 2016.
خلال السنوات اللاحقة، تراجع نفوذه بفعل صراعات مع فصائل محلية مثل هيئة تحرير الشام، واعتُقل فترة قصيرة عام 2020 قبل أن يُفرج عنه.
يقيم حالياً – وفق تقارير ميدانية – في مخيّم غرباء قرب حارم بإدلب، يضم عائلات مقاتلين أجانب.
⚖️ موقف الدولة السورية
تؤكد الحكومة السورية أن سياستها الثابتة منذ بداية التسويات قائمة على:
- بناء مؤسسات الدولة على أساس القانون.
- حصر السلاح ضمن الجيش والأمن النظاميين.
- منع أي نشاط مسلح خارج الحدود.
وترى أن “فرقة الغرباء” تمثل تهديداً مباشراً للسيادة لأنها ترفض الانضواء تحت الدولة وتحتفظ بسلاحها وتفرض سلطة على المدنيين المحليين.
💬 سؤال مفتوح:
في ظل وجود مثل هذه الجماعات الأجنبية المسلحة داخل الأراضي السورية، كيف يمكن للأقليات – ولا سيما قوات قسد والدروز – أن تثق بالسلطة السورية ومشروعها لإعادة توحيد البلاد؟
🔎 الإجابة والتحليل السياسي
1. غياب الثقة البنيوية
تواجه الدولة السورية مأزقاً مزدوجاً: فهي مطالَبة بفرض سيادتها الكاملة، وفي الوقت ذاته تُتهم بالتساهل أو الانتقائية في التعامل مع بعض الفصائل.
وجود جماعات أجنبية مثل «الغرباء» أو محلية في السويداء والساحل، يرسّخ لدى المكوّنات الكردية والدرزية شعوراً بأن المركز لم يستعد بعد احتكاره للعنف الشرعي.
2. حسابات قسد والدروز
- قسد (قوات سوريا الديمقراطية) تتعامل بحذر مع دعوات دمشق للاندماج. فهي ترى أن استمرار الفوضى في إدلب والبادية يؤكد هشاشة وعود السيطرة المركزية، وتطالب بضمانات سياسية وإدارية قبل أي خطوة دمج.
- الدروز في السويداء يرفضون أي عودة للقوة دون إصلاح سياسي حقيقي، ويؤكدون أن تجارب السنوات الماضية أظهرت أن “الحل الأمني وحده لا يبني الثقة”.
3. معضلة الدولة
تحاول دمشق تفكيك هذه الجماعات تدريجياً لتجنّب حرب مفتوحة قد تُستغل دولياً ضدها. لكن هذا النهج البطيء يمنح خصومها فرصة اتهامها بالعجز أو بالازدواج في تطبيق القانون.
وهكذا تبقى الدولة بين مطرقة الضغوط الدولية وسندان الحاجة إلى فرض النظام.
4. طريق بناء الثقة
لكي تستعيد الدولة ثقة الأقليات والمناطق الخارجة عن سيطرتها الكاملة، تحتاج إلى:
- تطبيق مبدأ السلاح الواحد دون استثناء.
- إطلاق مسار مصالحة وطني شفاف تشارك فيه القوى الكردية والدرزية والمجتمعية المحلية.
- ضمان تمثيل حقيقي في مؤسسات الحكم، لا مجرّد تبعية شكلية.
- الفصل الواضح بين المقاتلين الأجانب المتشددين والمواطنين السوريين المنخرطين في تسويات سياسية.
🧭 الخلاصة
تُجسّد اشتباكات إدلب الأخيرة مع فصيل عمر أومسن نموذجاً مصغّراً للمأزق السوري العام:
الدولة تحاول إعادة بسط سيادتها على كامل الجغرافيا، لكنها تصطدم بتراكمات حربٍ طويلة أنتجت فصائل وأجندات ومناطق نفوذ متعددة.
نجاحها في تفكيك هذه الجماعات من دون الانزلاق إلى فوضى جديدة سيكون الاختبار الحقيقي لمدى قدرتها على استعادة ثقة مكوّناتها – من قسد في الشمال، إلى الدروز في الجنوب، وسائر الأقليات السورية التي تنتظر أفعالاً لا وعوداً.



