أخباركم – أخبارنا / دمشق
تُستكمل اليوم في سوريا الجولة الأخيرة من العملية الانتخابية لمجلس الشعب (البرلمان)، وهي الأولى التي تُجرى في ظل الحكومة الانتقالية بعد سقوط نظام بشار الأسد، وسط إجراءات أمنية مشددة وتأجيلات محدودة في عدد من المحافظات.
وقالت اللجنة العليا للانتخابات في بيان صباح اليوم إن العملية “تسير بصورة منتظمة في جميع المحافظات”، مؤكدة أن التصويت يُستأنف في الحسكة (9 مقاعد شاغرة)، الرقة (4 مقاعد)، والسويداء (3 مقاعد)، بعد تأجيله في وقت سابق لأسباب أمنية ولوجستية.
وأشارت اللجنة إلى أن “الاقتراع في هذه المحافظات سيتم بإشراف قضائي ومراقبة محلية”، على أن تُعلن النتائج النهائية الكاملة الأسبوع المقبل.
خلفية العملية الانتخابية
كانت المرحلة الأولى من الانتخابات قد أُجريت في 5 تشرين الأول/أكتوبر الجاري لاختيار أعضاء مجلس الشعب البالغ عددهم 210 مقاعد، إلا أن الاقتراع اقتصر على عشر محافظات، ما ترك 16 مقعدًا شاغرًا في المحافظات الثلاث المتبقية.
ويجري اقتراع اليوم لاستكمال هذه المقاعد، تمهيدًا لإعلان التشكيلة النهائية للبرلمان الجديد.
وتُعد هذه الانتخابات أول استحقاق تشريعي في سوريا بعد تشكيل الحكومة الانتقالية بإشراف الأمم المتحدة عام 2024، ضمن اتفاق سياسي رعته قوى إقليمية ودولية في إطار مسار جنيف المعدّل، الذي نصّ على إعادة بناء مؤسسات الدولة وإطلاق عملية دستورية جديدة.
مراقبة محدودة وتشكيك في الشفافية
رغم تأكيد الحكومة الانتقالية أن العملية “شفافة وتخضع للرقابة الوطنية”، عبّرت منظمات مراقبة عن مخاوف بشأن ضعف الإقبال في المحافظات الحدودية وصعوبة وصول المراقبين المستقلين إلى بعض المراكز.
وقالت بعثة المراقبة العربية في تقرير أولي إن “الاقتراع يجري بشكل منظم في المناطق الحكومية، فيما تواجه مراكز الحسكة تحديات لوجستية مرتبطة بنقل الصناديق وتأمين الطرق”.
وأشارت تقديرات أولية إلى أن نسبة المشاركة العامة بلغت نحو 47% في الجولة الأولى، مع توقع ارتفاعها في المحافظات الثلاث خلال جولة اليوم.
تركيبة البرلمان الجديد
تشير النتائج المعلنة حتى الآن إلى:
- التحالف الوطني السوري حصل على نحو 40% من المقاعد.
- قوائم المعارضة المدنية المدعومة من الأمم المتحدة حصدت حوالي 20%.
- تمثيل نسائي بلغ 14% فقط، دون بلوغ النسبة المقررة في الدستور الانتقالي (20%).
- 16 مقعدًا تُحسم نتائجها اليوم (9 للحسكة، 4 للرقة، 3 للسويداء).
ومن المنتظر أن يعقد البرلمان الجديد أولى جلساته مطلع تشرين الثاني/نوفمبر لاختيار رئيس المجلس وهيئة المكتب، وبدء مناقشة قانون الأحزاب الجديد ومشروع قانون اللامركزية الإدارية.
قراءة سياسية
يرى مراقبون أن استكمال العملية الانتخابية رغم الظروف المعقّدة يمثل خطوة رمزية نحو تثبيت مؤسسات الحكم الانتقالي، لكنه لا يضمن بعدُ انتقالًا سياسيًا فعليًا.
ويقول المحلل السياسي السوري أنور العلي إن “الانتخابات تُعدّ إنجازًا إجرائيًا مهمًا، لكنها ما زالت تعاني من نقص الشمول السياسي والتمثيل المناطقي، خصوصًا في الشمال الشرقي”.
في المقابل، وصفت مصادر حكومية الانتخابات بأنها “نجاح وطني جديد يؤكد وحدة الدولة السورية”، مشيرة إلى أن المرحلة المقبلة “ستشهد صياغة عقد اجتماعي جديد يضمن مشاركة جميع السوريين في تقرير مصيرهم”.
الشرعية بين القانون والسياسة
رغم أن القانون الانتقالي السوري يجيز انعقاد البرلمان بمجرد انتخاب أكثر من ثلثي أعضائه، فإن الشرعية السياسية للمجلس تبقى مرتبطة بشموليته وتمثيله الجغرافي.
ويشير خبراء قانونيون إلى أن عدم اكتمال الانتخابات في بعض المحافظات لا يُبطل قانونيًا شرعية البرلمان، لكنه يتركه ناقص التمثيل مؤقتًا حتى استكمال المقاعد المتبقية.
أما سياسيًا، فيُعتبر هذا النقص عامل ضعف في شرعية المجلس أمام الرأي العام والمجتمع الدولي، لأنه يحدّ من تمثيله الشامل لكل المكونات والمناطق السورية.
ويرى محللون أن اكتمال الانتخابات في الحسكة والرقة والسويداء “سيمنح البرلمان صفة التمثيل الوطني الكامل ويعزز اعتراف الأمم المتحدة به كمؤسسة دستورية شرعية للحكم الانتقالي”.
استكمال الانتخابات اليوم في الحسكة، الرقة، والسويداء يُنهي فعليًا أول عملية برلمانية بعد أكثر من عقد من الصراع، ويشكّل اختبارًا حقيقيًا لجدّية الحكومة الانتقالية في بناء مؤسسات شرعية.
لكنّ غياب رقابة دولية كافية وتحديات الأمن والخدمات في بعض المناطق تبقي علامات استفهام حول مدى نزاهة العملية وشمولها التمثيلي، في بلد لا يزال في طور التعافي من حرب طويلة ومعقدة.



