أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
تحت وطأة الغارات الإسرائيلية المتصاعدة في البقاع وجنوب الليطاني، يعود المشهد اللبناني إلى خط النار السياسي والدبلوماسي، في لحظة دقيقة تتقاطع فيها الضغوط الخارجية مع الارتباك الداخلي.
فلبنان، الممزق بين تعهدات حصر السلاح بيد الدولة وواقع ميداني يفرضه حزب الله، يجد نفسه اليوم أمام اختبار مزدوج: أمنيّ في الجنوب، ودستوريّ في بيروت حيث يحتدم النقاش حول قانون الانتخابات واقتراع المغتربين.
وفيما تباشر واشنطن إعادة تموضعها في المنطقة بتعيين جويل ريبورن مشرفًا على سياسة الشرق الأوسط، ما يعني مراقبة أدقّ للملف اللبناني، يدخل على الخط الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد رئيس لجنة «الميكانيزم»، في جولات مكثفة تهدف إلى إعادة تثبيت اتفاق وقف الأعمال العدائية وضبط الجبهة الجنوبية التي تهدد بانفجار جديد.
الرئيس جوزاف عون شدّد في لقاءاته على ضرورة تفعيل اللجنة ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، في حين تمسّك رئيس الحكومة نواف سلام بتطبيق خطة حصر السلاح جنوب الليطاني قبل نهاية العام، رافعًا سقف الموقف السيادي في وجه الانتهاكات المتكررة.
أما داخليًا، فالنقاش حول قانون الانتخابات يتقدّم في موازاة جلسات حكومية متخمة بالملفات المالية والإدارية الحساسة، وسط إصرار رسمي على إجراء الاستحقاق النيابي في موعده كاختبار لجدّية الدولة في استعادة مؤسساتها. وبين الغارات والمشاورات، والضغوط الخارجية والمناكفات الداخلية، يبدو لبنان كمن يعيش على خط تماسٍ مفتوح: دولة تحاول أن تثبت وجودها بين سلاح لا يخضع لها، وحرب تتربص بها، ومجتمع دولي يراقب بصبرٍ آخذ في النفاد.
اذا، تتصاعد الضغوط الدولية على لبنان في ظل التحذيرات المتكررة من مغبّة التأخير في تطبيق مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، فيما تشهد الساحة الداخلية حراكاً سياسياً ودبلوماسياً متزامناً مع تصعيد إسرائيلي ميداني يتركز في البقاع، وسط مخاوف من انزلاق الأوضاع نحو جولة جديدة من الحرب.
في هذا السياق، برزت التطورات الأميركية مع تعيين جويل ريبورن رسمياً مساعداً لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، ليصبح المشرف على ملفات لبنان وسوريا وإسرائيل والعراق ومصر، بالتوازي مع جولة الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، رئيس لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية “الميكانيزم”، على كبار المسؤولين اللبنانيين.
الجنرال كليرفيلد أكد خلال لقائه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أنّ اجتماعات اللجنة ستصبح دورية لتثبيت وقف الأعمال العدائية في الجنوب، مشيراً إلى سلسلة خطوات جديدة بهذا الاتجاه. عون شدد على ضرورة تفعيل عمل اللجنة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، مذكّراً بأن الجيش اللبناني يواصل تعزيز انتشاره جنوب الليطاني، مصادراً الأسلحة ومكتشفاً الأنفاق، رغم الصعوبات الجغرافية. كما دعا إلى الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة تمكيناً للجيش من استكمال انتشاره حتى الحدود الدولية، مؤكداً أنّ لبنان ملتزم تنفيذ التدابير الأمنية التي اتخذها الجيش وأنّ أي مساعدة دولية في هذا الإطار تسهم في استعادة الاستقرار والأمان لسكان الجنوب.
من جهته، طرح رئيس مجلس النواب نبيه بري أمام كليرفيلد قضية الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على المدنيين والمنشآت الاقتصادية والزراعية، معتبراً أنها تمثل خرقاً فاضحاً للاتفاق وتعطيلاً للقرار 1701. وأعرب الجنرال الأميركي عن أمله في أن تحقق اللجنة الخماسية تقدماً ملموساً نحو وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها.
أما رئيس الحكومة نواف سلام فاستقبل الوفد الأميركي في السراي الحكومي، مؤكداً التزام لبنان بخطة الجيش لإنهاء وجود السلاح جنوب الليطاني قبل نهاية العام، داعياً إسرائيل إلى احترام التزاماتها بوقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة. وفي موازاة ذلك، عقد مجلس الوزراء جلسة في قصر بعبدا برئاسة الرئيس عون وحضور سلام والوزراء، تناولت الوضع الأمني والتفاوض مع إسرائيل إلى جانب ملفات إدارية ومالية واقتصادية. ووافق المجلس على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، ومنح اتفاقية استكشاف الغاز في الرقعة رقم 8، كما أقر تعديل ولاية حاكم مصرف لبنان لتجديدها لمرة واحدة فقط، وناقش جدول أعمال من 44 بنداً شمل إصلاحات مصرفية وتعيينات جديدة أبرزها في مرفأ طرابلس والهيئة الوطنية لسلامة الغذاء.
في الشأن الانتخابي، عاد ملف اقتراع المغتربين إلى الواجهة مع زيارة النواب الموقعين على اقتراح القانون رئيس الحكومة نواف سلام في السراي، حيث أكد لهم أن الحكومة ستتحمل مسؤوليتها في حال تقاعس مجلس النواب عن إقرار التعديلات المطلوبة، وسترسل مشروع قانون معجّل يتيح إجراء الانتخابات في موعدها. سلام شدد أيضاً على أن حكومته مصممة على الالتزام بالدستور واتفاق الطائف، ورفض أي تمديد أو تأجيل للاستحقاق النيابي، مؤكداً أن الحكومة جاهزة تنظيمياً ولوجستياً لإجراء الانتخابات في موعدها المحدد العام المقبل.
وفي موازاة الاهتمام الأميركي بملف الجنوب، برز حديث الرئيس سلام لقناة “الميادين” الذي اعتبر فيه أن لبنان متأخر عقوداً في تطبيق اتفاق الطائف، مؤكداً أن مشروع الحكومة هو “إعادة بناء الدولة التي لا يمكن أن تقوم بجيشين”، في إشارة واضحة إلى ضرورة حصر السلاح بالمؤسسات الشرعية. كما شدد على أن أي تطبيع مع إسرائيل غير مطروح إلا في إطار تنفيذ مبادرة السلام العربية وانسحاب إسرائيل من أراضي 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية.
مالياً، لفت رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان بعد لقائه الرئيس عون إلى أن لبنان يحقق تقدماً على مسار التعافي المالي، مشيراً إلى أن استرداد الودائع بات مفتاح الحلّ. وأكد أن قانون الفجوة المالية قيد النقاش مع الحكومة وصندوق النقد الدولي تمهيداً لإقراره في مجلس النواب بما يضمن حقوق المودعين.
وفي دار الفتوى، أكد الرئيس سلام بعد لقائه المفتي عبداللطيف دريان أن الحكومة ماضية في تنفيذ قراراتها بحكمة ورويّة، ولن تسمح بالتضليل أو التشكيك بمسارها الإصلاحي، مشدداً على التزامها الكامل بالدفاع عن سيادة لبنان ومتابعة الجهود الدبلوماسية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وإعادة إعمار المناطق المتضررة.
على وقع هذه التطورات، يستعد مجلس النواب لعقد جلسة تشريعية في 28 الجاري لبحث مشاريع واقتراحات القوانين العالقة، في حين يبقى المشهد الداخلي محكوماً بثلاثية متلازمة: تصعيد إسرائيلي متزايد، ضغوط أميركية متنامية، ومحاولات لبنانية متعثرة لإثبات جدية الدولة في استعادة سيادتها وتنفيذ التزاماتها، في وقت يترقب فيه الداخل والخارج ما إذا كانت بيروت قادرة على الخروج من معادلة السلاحين والانقسامين، قبل أن يفرض الميدان إيقاعه مجدداً على السياسة.



