الجمعة, سبتمبر 11, 2026
28 C
Beirut

ماية عام وعام على الحلم الأحمر .. الحزب الشيوعي اللبناني: من فجر المقاومة إلى غروب الحلم

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

قبل مئة عام وعام، وُلد الحزب الشيوعي اللبناني من رحم الوطن الجريح، في زمنٍ كان فيه الفقرُ وجهَ الناس، والحريةُ حلمًا يُكتَب بالدم.
وُلد من عرق العمّال، وصبر الفلاحين، ووعي المثقفين الذين حملوا الفكرة كمن يحمل جمرةً في قلب العتمة.
منذ عام 1924، والحزب يمشي على دربٍ محفوفٍ بالنار، يرفع راية “وطن حر وشعب سعيد”، ويؤمن أن العدالة لا تُستورد، بل تُصنع في الأرض التي يسكنها الوجع والأمل.

مرّ قرنٌ كامل — بين حلمٍ واغتيال، بين ثورةٍ وخيبة، بين مقاومةٍ وانكسار.
لكنّ الدم الذي سُفك لم يذهب سدى، لأنه ما زال يسكن الذاكرة كصوتٍ لا يخفت:

“من الشعب، ولأجل الشعب، سنبقى نحلم ولو في الهزيمة.”

الحزب الشيوعي اللبناني: الحلم الذي بدأ من وجع الوطن

تأسّس الحزب الشيوعي اللبناني رسميًا عام 1924 تحت اسم “الحزب الشيوعي اللبناني السوري”، في زمن كان فيه لبنان وسوريا تحت الانتداب الفرنسي. جاء التأسيس من رحم المعاناة الاجتماعية والاحتلال، ومن وعي عمال ومثقفين رأوا في الماركسية أداة لتحرير الإنسان من القهر الطبقي والاستعمار معًا.

نشأ الحزب في مدينتي بيروت وطرابلس، على يد طليعة من المثقفين والعمال الروّاد وانفصل عن الحزب الشيوعي السوري اللبناني ليكون الحزب الشيوعي اللبناني.

التأسيس

فؤاد الشمالي ويوسف ابراهيم يزبك هما من الأشخاص الذين أسسوا حزب الشعب اللبناني في 24 تشرين الاول 1924 وآخرين ، والذي اندمجت معه منظمة سبارتكوس بقيادة ارتين مادويان الى جانبه ايضا هايكازون بوياجيان ومندوب الأممية الثالثة وعامل الدخان فريد طعمة الذي كان من مؤسسي حزب الشعب وعددهم الإجمالي تسعة وحصل أعلان الاندماج في مهرجان أول ايار 1925 .إ .
أما فرج الله الحلو فقد انتسب في سوريا عام ١٩٣١ للحزب الشيوعي وكان اسمه الحزب الشيوعي السوري فرع الانترناسيونالي (اقرأ اللبناني) ، وبالتالي لم يكن من المؤسسين رغم أهمية دوره .

من ابرز قادة الحزب التاريخيين

  • فؤاد الشمالي، العامل والمثقف الذي حمل شعلة التنظيم الماركسي الأول.
  • يوسف إبراهيم يزبك، الصحافي والمؤرخ، وأحد مؤسسي الحركة النقابية اللبنانية.
  • فرج الله الحلو، القائد والمناضل، استشهد تحت التعذيب في سجون المخابرات السورية عام 1959، رمزًا للنقاء الثوري والإيمان بالوطن.
  • نقولا الشاوي، أحد أبرز الأمناء العامين للحزب، قاد الحزب في مرحلة الخمسينيات والستينيات، وكان صوته عالياً في الدفاع عن العمال والفلاحين وعن فلسطين.
  • أرتين مادويان، المناضل الأرمني اللبناني الذي ربط نضال الطبقة العاملة في لبنان بالنضال الأممي ضد الفاشية والاستعمار، وكان من القيادات المؤسسة ذات الرؤية الأممية الصلبة.
  • جورج حاوي مؤسس جبهة المقاومة الوطنية ونصب أمين عام الحزب بعد المؤتمر الثاني بعمر 33 عام.

فرج الله الحلو: العلامة الفارقة في مسيرة الحزب

كان فرج الله الحلو من أبرز القادة الذين شكّلوا نقطة تحوّل في تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني. تميّز بموقفه المستقل والوطني الصلب، وبرز في منتصف الأربعينيات كأحد المنادين بضرورة أن يبقى القرار الحزبي لبنانياً وعربياً مستقلاً، لا تابعاً لأي محور خارجي.

حين صدر قرار تقسيم فلسطين عام 1947، تبنّى الاتحاد السوفييتي القرار، ما دفع قيادة الحزب إلى السير على الخط ذاته. غير أن فرج الله الحلو رفض هذا الموقف علنًا، معتبراً أن تقسيم فلسطين هو طعنة في قلب القضية العربية وتنازل عن جوهر النضال التحرّري. دعا الحلو إلى موقف عربي موحّد ضد الاستعمار الصهيوني، مؤمناً أن فلسطين ليست قضية شعب وحدود بل قضية تحرّر إنساني وعدالة تاريخية.

ذلك الموقف جعله علامة فارقة في تاريخ الحزب، ومثالاً للاستقلالية الفكرية والسياسية. وقد ظلّ رمزاً للنزاهة الثورية حتى استشهاده تحت التعذيب في سجون دمشق عام 1959، بعدما سلّم نفسه دفاعاً عن رفاقه، فبقي اسمه منقوشاً في ذاكرة النضال اليساري العربي.

“يا رفاق الفكر والدم ناضلوا… أحنه وأنتوا بدرب فرج الله الحلو”
ترنيمة عراقية متجددة لروح الشهيد فرج الله الحلو

المؤتمر الثاني 1968: التمرّد على الوصاية والبحث عن استقلال القرار

شكّل المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي اللبناني عام 1968 محطةً فاصلة في تاريخه الحديث، إذ أعلن بوضوح استقلال الحزب تنظيمياً وسياسياً عن الحزب الشيوعي السوري وعن أي وصاية خارجية.
كان هذا المؤتمر بمثابة تمرد فكري على النموذج السوفييتي الجامد، حيث طرح مقاربة جديدة ترى أن الاشتراكية لا يمكن استيرادها كنموذج جاهز، بل يجب أن تنبع من واقع المجتمع اللبناني والعربي.

ناقش المؤتمر نقداً ذاتياً لمفهوم «التبعية للأممية السوفييتية»، داعياً إلى ماركسية عربية مستقلة تضع التحرر الوطني في صلب الصراع الطبقي.
كان ذلك انعكاساً لروح مثقفي الحزب الذين رأوا أن التحرّر لا يُمكن أن يكون بظل تبعية فكرية أو سياسية لأي قوة دولية.

المؤتمر الخامس 1987: التجديد في زمن النار

في خضمّ الحرب الأهلية اللبنانية، انعقد المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي اللبناني في فبراير 1987، ليشكل محاولة شجاعة لإعادة بناء الوعي والتنظيم وسط الفوضى والانقسام.
أعاد المؤتمر التأكيد على رفض الحزب لأي حلّ طائفي للأزمة اللبنانية، وشدّد على أن طريق الخلاص الوطني يمر عبر دولة مدنية ديمقراطية علمانية تحقق العدالة الاجتماعية وتكسر منطق الميليشيات والمذاهب.

مهدي عامل: “لست مهزوماً ما دمت تقاوم.”
حسين مروة: “إنّ الفكرَ المادي في التراث العربي لم يكن نقيضاً للإيمان، بل بحثًا عقلانيًا عن الحرية.”

ناقش المؤتمر نقداً ذاتياً لمفهوم «التبعية للأممية السوفييتية»، داعياً إلى ماركسية عربية مستقلة تضع التحرر الوطني في صلب الصراع الطبقي.

كما مثّل المؤتمر الخامس مرحلة تجديد فكري وتنظيمي، إذ سعى إلى تحديث الخطاب الاشتراكي، وإعادة وصل المقاومة الوطنية بالمشروع الاجتماعي التقدمي.
وقد ضمّ المؤتمر جيلاً جديداً من الكوادر والمثقفين الذين واصلوا فكر مهدي عامل وحسين مروة، مؤكدين أن الاشتراكية في لبنان ليست مشروعاً مستورداً، بل ثمرة نضال محليّ ضد الاستغلال والاحتلال والطائفية.

كان المؤتمر الخامس، في جوهره، صوتَ استعادة الحلم وسط الخراب — محاولةً لتأكيد أن الحزب لا يموت، بل يتجدّد كلما حاولت الأنظمة قمعه أو اغتيال فكرته.

كانت مقاومة من كل الوطن لكل الوطن

لم تكن جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمّول) مجرّد تنظيم مسلّح ضد الاحتلال، بل كانت فكرة وطنية جامعة ولدت من رحم الهزيمة، لتعلن أن المقاومة لا تُختصر بطائفة أو حزب، بل هي فعلُ شعبٍ بأكمله من أجل وطن واحد.

أُعلنت الجبهة في 16 أيلول 1982 من منزل الشهيد كمال جنبلاط في بيروت، بعد أسابيع من الاجتياح الإسرائيلي، بمبادرة من جورج حاوي ومحسن إبراهيم، لتكون مقاومة «من كل الوطن، لكل الوطن».

جورج حاوي خلال رثائه للشهيد حسين مروة عام 1987: “نحن لسنا مخيّماً، ولا طائفة، ولا موقعاً عسكرياً، نحن قضيّة، وقضيتنا ليست قضية حزب فقط، إنها قضية كلّ الوطنيين، قضية الوطن.”

من أبرز إنجازاتها:

  • تنفيذ مئات العمليات النوعية ضد قوات الاحتلال في بيروت والجنوب والبقاع، أسفرت عن انسحاب العدو من معظم المناطق المحتلة بحلول عام 1985.
  • رفضها الكامل للطائفية، إذ ضمّت مقاومين من كل الانتماءات السياسية والمناطقية، لتكون نموذجاً للمقاومة الوطنية العابرة للطوائف.
  • اعتمادها المقاومة الشعبية إلى جانب العسكرية، فكانت مقاومة وطنية شاملة تقاتل بالوعي كما بالسلاح.
  • إصرارها على استقلال القرار الوطني، بعيداً عن أي محور خارجي أو وصاية سياسية.

كانت جمّول تقول بالفعل لا بالشعار:

“الوطن لا يُحرَّر بطائفة واحدة، ولا بسلاحٍ واحد، بل بإرادة شعبٍ واحد يؤمن أن الحرية لا تتجزأ.”

وكتب مسعود محمد بمقال سابق انها أي جمول “الجواب التاريخي الثوري على الاحتلال والطائفية، والولادة النقية لمفهوم المقاومة الوطنية”.

ماذا بقي من الحزب الشيوعي اللبناني؟ ولماذا تراجع بعد قرن من النضال؟

بعد مئة عام من التأسيس، ما بقي من الحزب هو ذاكرة وطنية عميقة، رموز فكرية ومقاوِمة، وتنظيم ما زال حاضرًا رمزيًا، لكنه فقد تأثيره السياسي والاجتماعي الواسع.

  • بقي منه الحلم الذي لم يُقتل تمامًا: فكر مهدي عامل وحسين مروة، وإرث جمّول، والحنين إلى زمن كان فيه الحزب يجسّد صوت الفقراء والمهمّشين.
  • لكن تراجع تأثيره لأسباب متشابكة: اغتيال كوادره، انتقال هوية المقاومة إلى قوى طائفية، سقوط الاتحاد السوفييتي، تحكّم النظام الطائفي–النيوليبرالي، وتراجع الدور النقابي.

اليوم، الحزب الشيوعي اللبناني باقٍ كفكرة ومؤسسة تاريخية أكثر مما هو قوة سياسية جماهيرية.
إنه ذاكرة وطنية عتيقة، تحمل نداءً مؤجلاً: أن يُعاد وصل النضال الاجتماعي بالمشروع الوطني، وأن يُستعاد معنى “الوطن الحر والشعب السعيد” في زمنٍ تُهيمن فيه الطائفية والمال والسياسة المستوردة.

الرفاق لا يموتون… إنهم يتحولون إلى فكرة

لم يمت الرفاق، ولم يرحلوا.
إنهم هناك — في وجدان كل عاملٍ يرفض الذل، في كل طالبٍ يرفع صوته للحقيقة، في كل أمٍّ تنحني على صورة شهيدٍ وتقول: ما مات، بعده هون.

الرفاق لا يموتون… لأن الفكرة لا تُدفن.
قد تضعف البنادق، وقد تصمت الصحف، وقد تُشترى النقابات وتُفرغ الساحات،
لكن تظلّ الحكاية التي كتبوها بالدم تتردّد همساً في الأزقة:

“الوطن الحر… والشعب السعيد”

صرخة الختام

كان الحلم بوطن حر وشعب سعيد … اصبح الحلم تحرير الحزب من سطوة قتلة مهدي عامل وحسين مروة وسهيل طويلة وخليل نعوس وجورج حاوي ومقاومينا الوطنيين … كان صوت الشعب فاصبح صوت الله وحزبه … كانت الأرض لمن يحررها فأضحت لمن تسلط عليها … كان يراد للحكم ان يكون وطنيا ديمقراطيا فأضحى وصاية تحت حكم المخابرات وآيات الله … بعد ١٠٠ عام ضاع الحلم وأضحى سرابا … رح قطف وراقك اكتب منها حكايه عن الناس يلي باعوا تاريخك بثلاثين من الفضة … تبت يداهم … كنا نصرخ بملء حناجرنا عاش حزب الشعب فينا … تخلينا عن الشعب وشمت الدهر فينا …

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

عندما يختار حزب السلاح الإيراني نتنياهو؟

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح اليوم ١١ ايلول. ما زالت المنطقة تعيش تداعيات ذلك اليوم...

11 أيلول: اليوم الذي بلغت فيه القاعدة ذروتها وغيّرت العالم

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كنت يومها في السعودية، جالساً أمام شاشة التلفاز، عندما ظهرت...

سيكولوجية سوء التقدير: عندما يتحول اندفاع الجماعات المسلحة إلى انتحار استراتيجي

أخباركم - اخبارنا/ أكرم محمود شهدت المنطقة العربية على مدى العقود الماضية تحولات جيوسياسية متعاقبة،...

كيف قضى حزب الله على قادة ومقاومي الحزب الشيوعي اللبناني بأوامر من إيران وحافظ أسد!

أخباركم - أخبارنانقلا عن صفحة خالد كبارة للتواصل الاجتماعي (الفيسبوك) في السابع عشر من شباط...

More like this

11 أيلول: اليوم الذي بلغت فيه القاعدة ذروتها وغيّرت العالم

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كنت يومها في السعودية، جالساً أمام شاشة التلفاز، عندما ظهرت...

سيكولوجية سوء التقدير: عندما يتحول اندفاع الجماعات المسلحة إلى انتحار استراتيجي

أخباركم - اخبارنا/ أكرم محمود شهدت المنطقة العربية على مدى العقود الماضية تحولات جيوسياسية متعاقبة،...

كيف قضى حزب الله على قادة ومقاومي الحزب الشيوعي اللبناني بأوامر من إيران وحافظ أسد!

أخباركم - أخبارنانقلا عن صفحة خالد كبارة للتواصل الاجتماعي (الفيسبوك) في السابع عشر من شباط...