أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
منذ تولّي الرئيس جوزاف عون رئاسة الجمهورية اللبنانية، بعد مسيرة طويلة في قيادة الجيش، باتت السياسة الأمنية اللبنانية تُدار بمنطقٍ مختلف: البراغماتية الهادئة.
عون، الذي عايش من موقعه العسكري كلّ مراحل انهيار مؤسسات الدولة وتنامي نفوذ حزب الله، يدرك أن التوازن الداخلي في لبنان هشّ للغاية، وأن أي محاولة مباشرة لنزع سلاح الحزب ستقود البلاد إلى حرب أهلية أكيدة لن يخرج منها أحد منتصرًا.
الدولة أمام معادلة السلاح والشرعية
يواجه الرئيس جوزاف عون معضلة وجودية لبنانية: كيف يحافظ على سيادة الدولة دون تفجيرها من الداخل؟
فحزب الله، الذي يقدّم نفسه «مقاومة وطنية» ضد إسرائيل، تحوّل على مرّ السنين إلى قوة عسكرية وسياسية موازية للدولة، تمتلك ترسانة تتجاوز قدرات الجيش النظامي، وتتمتع بدعم إقليمي مباشر من إيران.
وفي المقابل، يقف الجيش – المؤسسة التي نشأ فيها عون – على خط دقيق بين الولاء للدولة وتجنّب الصدام مع مكوّن لبناني كبير.
من هنا، تبنّى الرئيس عون نهج الاحتواء بدل المواجهة، مع الإصرار على أن الجيش «لن يكون أداة في صراع داخلي»، وأن سلاح الحزب «قضية وطنية تُحلّ بالحوار، لا بالاقتتال».
إسرائيل ترى الفراغ وتتحرك
لكنّ إسرائيل تنظر إلى هذا الموقف على أنه عجز لبناني مكرّس عن فرض السيادة الكاملة.
من وجهة نظرها، غياب قرار لبناني رسمي بنزع سلاح حزب الله يبرّر التحرك العسكري الإسرائيلي لتقويض قوته، خاصة بعد اتساع نطاق نفوذه الإقليمي في سوريا وغزة واليمن والعراق.
السيناريوهات الاسرائيلية المطروحة
تعتبر تل أبيب أن لبنان الرسمي – رغم تصريحات رئيسه المعتدلة – بات رهينة القرار الإيراني عبر الحزب، ما يجعلها ترى في «الاجتياح الوقائي» أو «الضربة الاستباقية» خيارًا مشروعًا لحماية أمنها القومي.
- الاستمرار بالاستراتيجية الحالية
يُرجَّح أن تواصل إسرائيل استراتيجيتها الحالية القائمة على الضربات الجوية الدقيقة، وعمليات الاغتيال المحدودة، واستهداف منشآت الحزب في الجنوب وسوريا، دون التورّط في حرب شاملة.
هذا السيناريو ينسجم مع سياسة جوزاف عون الذي يسعى إلى تجنّب انهيار لبنان الكامل، إذ يفضّل أن يبقى الصراع بين حزب الله وإسرائيل خارج المدن اللبنانية، على أن لا يتحول إلى حرب وطنية داخلية.
2. السيناريو الخطِر – الغزو الإسرائيلي المحدود أو الواسع
في حال تصاعدت الهجمات الصاروخية على شمال إسرائيل أو فشلت الوساطات الأميركية والفرنسية، قد تقدم تل أبيب على اجتياح بري جزئي داخل الجنوب لتدمير البنى الصاروخية وفرض منطقة عازلة.
سيضع هذا الخيار الرئيس عون أمام أعقد اختبار رئاسي:
هل يدافع الجيش عن أرض لبنان في مواجهة الغزو، أم يلتزم الحياد لتفادي مواجهة غير متكافئة مع الحزب في الداخل؟
أي قرار في هذا الإطار سيعيد رسم معادلة الدولة والجيش والمقاومة برمّتها.
3. السيناريو السياسي – نزع السلاح بالتفاهم الدولي
السيناريو الثالث الذي يراهن عليه الرئيس جوزاف عون هو المسار الدبلوماسي الطويل، القائم على تسوية شاملة تشمل الملفين اللبناني والإيراني معاً، برعاية أميركية – عربية – فرنسية.
يقوم هذا المسار على دمج حزب الله تدريجياً داخل المؤسسات اللبنانية، وتحويل قوته العسكرية إلى «قوة دفاعية وطنية منضبطة»، على أن يتولى الجيش لاحقاً احتكار القرار العسكري.
يعتمد عون في هذا التصور على دعم خارجي يضمن بقاء الدولة اللبنانية موحدة، دون جرّها إلى صدام داخلي أو غزو إسرائيلي شامل.
قراءة ختامية
يُدرك الرئيس جوزاف عون أن الدولة اللبنانية لا تحتمل حربًا جديدة، وأن الانهيار المالي والاجتماعي يجعل من أي مواجهة داخلية مغامرة انتحارية.
ولهذا يتبنى خيار «إدارة التوازن»، حيث يُبقي على شعرة الاستقرار الداخلي، ويمنح الجيش دور الضامن لا المهاجم.
أما إسرائيل، فترى في هذا التوازن هشاشة يمكن استغلالها لتصفية حساباتها مع إيران وأذرعها على الأرض اللبنانية.
وفي هذا المشهد المركّب، يبدو أن نزع سلاح حزب الله لن يكون بقرار لبناني قريب، ولا بحرب إسرائيلية سريعة، بل ضمن صفقة إقليمية كبرى ترسم حدود النفوذ الإيراني والإسرائيلي في الشرق الأوسط.
إلى ذلك الحين، سيبقى لبنان، برئاسة جوزاف عون، يسير على حافة الهاوية، متجنّباً السقوط في الحرب، ومحاولاً البقاء دولة وسط دوّامة صراع يفوق قدرته على احتماله.
جوزاف عون بين خيارَي التوازن والانزلاق
يقف الرئيس جوزاف عون اليوم عند مفترق طرق دقيق في التاريخ اللبناني الحديث.
فمن جهة، تراه العواصم الغربية والعربية الضامن الأخير لاستقرار لبنان، الرجل الذي يجيد لغة التوازن بين الجيش والمجتمع، وبين الدولة والمقاومة، دون أن يغرق في الاصطفاف الطائفي أو الإيديولوجي.
ومن جهة أخرى، يخشى خصومه في الداخل أن يتحوّل إلى نسخة جديدة من الرئيس ميشال عون، الذي بدأ سيادياً وانتهى حليفاً سياسياً لحزب الله، مما ساهم – في رأيهم – في تكريس سطوة السلاح على الدولة.
الفارق بين الرجلين عميق من حيث الخلفية والموقع، لكنّ التشابه يكمن في الظرف التاريخي الضاغط: كلاهما تولّى المسؤولية في لحظة فراغ سياسي وانقسام وطني حاد، وكلاهما واجه معضلة العلاقة مع حزب الله كشرطٍ لبقاء الدولة أو سقوطها.
إلا أن جوزاف عون – بخلفيته العسكرية وبعلاقاته الإقليمية المتوازنة – يبدو أكثر حذرًا من الانزلاق إلى تحالف سياسي مباشر مع الحزب، ويدرك أن أي تماهٍ كامل معه سيعني نهاية الدعم الدولي للبنان وربما عزله عن محيطه العربي.
لذلك، يراهن على خيار ثالث: أن يكون «صانع التوازن» لا «الطرف المنحاز» — رئيسًا يمسك بالخيط الفاصل بين الانهيار والنجاة، بين الدولة والسلاح، وبين البقاء والمواجهة.
لكنّ هذا التوازن هشّ وخطير؛ فخطأ واحد في الحساب أو تنازل غير محسوب قد يدفعه إلى مصير شبيه بميشال عون: رئيس محاصر داخليًا، ومتهم خارجيًا بالانحياز، وعاجز عن إنقاذ الدولة التي أقسم على حمايتها.
في النهاية، سيُحكم على تجربة جوزاف عون بما إذا كان قادرًا على تفكيك معادلة السلاح بالسياسة، لا بالسلاح نفسه — وإن فشل، فسيكون لبنان أمام دورة جديدة من التكرار المأساوي، حيث يتحوّل الرئيس من «ضامن للتوازن» إلى شاهد على سقوطه.



