تقرير أخباركم – اخبارنا
فلسطين الميداني
في غزة، لم يعد الألم يُسكّن بحبّة دواء، ولا الجرح يُشفى بالعلاج. فالحرب حوّلت أبسط الأمراض إلى كوارث، وصار الصداع وجعًا دائمًا، والدواء حلمًا بعيدًا. في أرض كانت الحياة تُقاوم بالصبر، صار المرض يُقاوم بالمستحيل.
انقطاع الأدوية وتدمير المستشفيات جعل المرضى بين خيارين قاسيين: الألم أو الموت. فوفق وزارة الصحة، أكثر من نصف الأدوية الأساسية نفدت تمامًا، وتعطّل 22 مستشفى من أصل 38، فيما تجاوزت نسبة إشغال الأسرّة 106%. أما غرف العمليات، فبقي منها 50 فقط تعمل وسط عجزٍ في المستلزمات والمعدات.
في هذا الواقع، لم يَعُد مرضى غزة يخشون أمراضهم، بل غياب الدواء. رنا زكريا، المصابة بحمى البحر الأبيض المتوسط، كانت تسيطر على مرضها بعقار “كولشيسين”، لكن انقطاعه جعل نوبات الألم تهاجمها بعنف، حتى باتت عاجزة عن شرائه بعد ارتفاع ثمنه. تقول: “لم أتناول الدواء منذ عام ونصف… الألم ينهكني، لكن إطعام أطفالي أولى من علاجي”.
أما سناء غالي، المصابة بمتلازمة الألم العضلي الليفي، فقد اضطرت للتوقف عن تناول أدويتها بعد النزوح. الألم لم يتركها، بل تضاعف مع تعب الحياة اليومية في الخيام، تقول: “أحيانًا يصل الوجع إلى حدّ أفقد معه عقلي”.
الطبيب محمد عبد المنعم يوضح أن تدهور الحالة الصحية في غزة سببه تدمير البنية التحتية، ونقص الأدوية والمستلزمات، وتلوث المياه وسوء التغذية والضغط النفسي. ويؤكد أن استمرار الألم دون علاج يفاقم المعاناة الجسدية والنفسية، خاصة بين كبار السن والحوامل ومرضى الأمراض المزمنة.
في غزة، لا يُقاس الوجع بدرجة المرض، بل بمدى توافر الدواء… ومن يفقده، يفقد حقه في الحياة.
ميدانيا، أفادت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية أن الجيش الإسرائيلي انسحب، الأحد، من منطقة البحث عن جثث المحتجزين داخل قطاع غزة، تحت ضغط من الوسطاء الدوليين ومخاوف من صدام مباشر مع حركة “حماس”. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن “استمرار عمليات البحث كان يهدد باندلاع مواجهة مع عناصر القسام”، مشيرة إلى أن الانسحاب جاء بعد خمسة أيام من العمليات الميدانية دون تحقيق أي تقدم في استعادة جثث الرهائن الإسرائيليين.
وأكدت مصادر خاصة اعلامية فلسطينية أن عناصر من كتائب القسام، الذراع العسكري لحركة حماس، رافقوا طواقم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في عمليات بحث ميدانية عن جثث قتلى إسرائيليين في عدة مناطق داخل القطاع، بينها رفح وخان يونس والنصيرات، خلف ما يُعرف بالخط الأصفر، وهو الشريط الفاصل بين المناطق الخاضعة لسيطرة حماس وتلك التي تتواجد فيها قوات الاحتلال.
وأوضحت المصادر أن “المستوى السياسي في إسرائيل منح تصريحًا استثنائيًا لدخول طواقم الصليب الأحمر، وبرفقتهم عناصر من وحدة الظل القسامية، إلى منطقة واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية في رفح”، وهي الوحدة التي تتولى حراسة الأسرى الإسرائيليين لدى حماس. وأظهرت مقاطع مصوّرة تداولتها وسائل إعلام عبرية عناصر من وحدة الظل أثناء مرافقتهم فرق البحث في رفح، حيث يُعتقد أن جثة الجندي الإسرائيلي هدار غولدن، الأسير منذ حرب 2014، مدفونة هناك.
بدوره، قال المراسل العسكري لإذاعة جيش الاحتلال دورون كدوش إن حماس سلّمت الصليب الأحمر معلومات عن مواقع عدد من جثث الإسرائيليين في جنوب ووسط القطاع، لافتًا إلى أن معظم هذه المواقع تقع في مناطق لا يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. وأضاف أن الوصول إلى بعض تلك المناطق تم بالتنسيق الكامل مع الجيش، وأن أعمال الحفر والبحث لم تُسفر حتى الآن عن أي نتائج ملموسة.
وفي تعليق أميركي على التطورات، قال الرئيس السابق دونالد ترامب، السبت، إن “حماس تحجب جثث رهائن أُسروا وقتلوا”، محذرًا من أنه “يتابع الوضع عن كثب”، ومهددًا باتخاذ إجراءات خلال 48 ساعة إذا لم تُسلّم الحركة الجثث التي يمكنها الوصول إليها. ولم يوضح ترامب طبيعة الإجراءات المحتملة، غير أن مراقبين رأوا في تصريحه محاولة للضغط على الوسطاء في ملف التهدئة ووقف إطلاق النار.
وفي الضفة الغربية، شهدت عدة مناطق تصعيدًا ميدانيًا جديدًا مساء الأحد، أسفر عن استشهاد شاب وإصابة سبعة آخرين برصاص قوات الاحتلال في الخليل والقدس وجنين ورام الله.
وأكدت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد الشاب محمد بسام تياهة شعور (20 عامًا) قرب بلدة الظاهرية جنوب الخليل، بعد إصابته برصاص جنود الاحتلال عند حاجز “ميتار”. وأفادت مصادر محلية بأن الجنود تركوه ينزف ساعات قبل أن يفارق الحياة، فيما نقلت طواقم الهلال الأحمر جثمانه إلى مستشفى دورا الحكومي.
وفي جنين، أصيب مواطنان برصاص الاحتلال خلال اقتحام بلدة قباطية، حيث نفذت القوات الإسرائيلية عمليات تفتيش ومداهمة واسعة. وذكرت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أن طواقمها تعاملت مع إصابتين خطيرتين، وتم نقلهما إلى مستشفى جنين الحكومي لتلقي العلاج.
وفي مخيم الأمعري قرب رام الله، أصيب أربعة مواطنين خلال اقتحام قوات الاحتلال للمخيم، ووصفت حالة أحدهم بالخطيرة بعد إصابته في البطن، بينما كانت الإصابات الأخرى في الأطراف. كما أصيب شاب آخر في بلدة الرام شمالي القدس برصاصة في القدم أثناء تواجده قرب الجدار الفاصل.
وامتدت اعتداءات الاحتلال إلى طولكرم، حيث أقدمت القوات الإسرائيلية على إشعال النار في منزل يعود لعائلة جوابرة في مخيم نور شمس شرق المدينة، ما تسبب في اندلاع حريق كبير شوهدت ألسنته تتصاعد في أجواء المخيم، وسط حصار خانق حال دون وصول فرق الإطفاء أو الطواقم الطبية إلى المنطقة.
في موازاة ذلك، تتواصل الجهود الإنسانية لإجلاء المرضى من قطاع غزة، إذ أعلنت وكالة الأنباء الرسمية “وفا” مغادرة 213 مريضًا ومرافقًا، الأحد، عبر معبر كرم أبو سالم إلى الأردن وعدد من الدول الأوروبية لتلقي العلاج، ضمن عمليات الإجلاء الطبي التي تنفذها منظمة الصحة العالمية بالتنسيق مع وزارة الصحة الفلسطينية.
وأكدت الوكالة أن طواقم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني قدمت الرعاية الطبية والدعم النفسي للمرضى قبل سفرهم، ورافقتهم بسيارات الإسعاف إلى المعبر لضمان استقرار حالاتهم الصحية خلال الرحلة.
ويأتي هذا الإجلاء في ظل تفاقم الأزمة الصحية في القطاع، حيث تواجه المستشفيات نقصًا حادًا في الأدوية والمعدات الطبية، فيما تستمر عمليات البحث الميداني داخل غزة وسط تعقيدات سياسية وأمنية متزايدة، وتخوفات إسرائيلية من احتكاك مباشر مع حماس قد يعيد التصعيد إلى مربع المواجهة.
ورغم محاولات الوسطاء الدوليين التوصل إلى تفاهمات إنسانية محدودة، فإن الواقع الميداني يشير إلى أن الأزمة في غزة والضفة لا تزال مفتوحة على مزيد من التصعيد، في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية وتدهور الوضع الإنساني على الأرض.



