أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي
اليوم، ترسم الساحة الفلسطينية لوحة متشابكة تتقاطع فيها المواجهات الميدانية مع الصراعات السياسية والدبلوماسية على حد سواء. فبين غاراتٍ إسرائيلية متجددة على قطاع غزة تهدد بانهيار الهدنة الهشة، وتصريحاتٍ نارية للرئيس الأميركي دونالد ترامب يلوّح فيها بـ«القضاء على حماس» إن لم تلتزم، وبين تصاعد التوتر حول المسجد الأقصى نتيجة الحفريات الإسرائيلية المتسارعة تحته، تتكشف ملامح مرحلةٍ جديدة عنوانها تثبيت الأمر الواقع بالقوة.
الإدارة الأميركية، رغم حديثها عن «المرحلة الثانية من السلام»، تحذر الاطراف من القتال مجددا، وتمنح إسرائيل ضوءًا أخضر مشروطًا لاستمرار العمليات، في الوقت الذي تحذّر فيه الأمم المتحدة من انهيار القانون الدولي ومنح المعتدي سلطة تقرير مصير الضحية.
في القدس، تمضي سلطات الاحتلال في حفرياتها التي تهدد أسس المسجد الأقصى ذاته، في ما يصفه الشيخ عكرمة صبري بـ«جريمة متكاملة» تمسّ هوية المكان وقدسيته. وفي المقابل، تواصل المقرّرة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي انتقاد «خطة السلام الأميركية» واصفةً إياها بأنها «إهانة فظيعة» تُكرّس الاحتلال بدل إنهائه، وتحوّل غزة إلى «غيتو سياسي» محاصر باسم التسوية.
إن تزامن التصعيد العسكري في غزة مع التحركات الإسرائيلية في القدس، والدعم الأميركي غير المحدود لتل أبيب، يشير إلى أن المنطقة تتجه نحو إعادة صياغة قواعد الاشتباك على حساب الفلسطينيين، وسط تآكل فرص الحل السياسي الحقيقي وازدياد عجز المؤسسات الدولية عن حماية القانون والعدالة.
فقد قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن وقف إطلاق النار المدعوم أميركيًا في قطاع غزة “ليس في خطر”، مؤكدًا أن الولايات المتحدة دخلت “المرحلة الثانية” من الاتفاق. وأوضح على متن الطائرة الرئاسية خلال رحلته من طوكيو إلى كوريا الجنوبية، أن إسرائيل “كان لها الحق في الرد” على مقتل جندي إسرائيلي بنيران قنص، مشددًا على أن “حماس جزء صغير جدًا من السلام في الشرق الأوسط”، وأنها “إن أحسنت التصرف ستكون بخير، وإن لم تفعل فسيتم القضاء عليها”. وأضاف: “إذا اضطررنا لذلك سنقضي على حماس بسهولة بالغة، لكننا نفضل ألا نفعل”.
وجاءت تصريحات ترامب في أعقاب غارات إسرائيلية عنيفة مساء الثلاثاء، أسفرت عن عشرات الشهداء والجرحى في قطاع غزة، في خرق جديد لاتفاق وقف إطلاق النار. ووفق مصادر إسرائيلية وأميركية، أجرى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو محادثات مع البيت الأبيض قبل الهجوم الذي نُفّذ في رفح، حيث حثّ مستشارو ترامب إسرائيل على عدم الرد بقسوة على ما وصفوه بـ”تباطؤ حماس” في إعادة جثث الأسرى الإسرائيليين. وحذّر الأميركيون من أن أي تصعيد ميداني قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق، واقترحوا بدلاً من ذلك أن يوجّه ترامب إنذارًا نهائيًا أكثر صرامة لحماس لإعادة الرفات خلال أيام، على أن يُمنح الاحتلال بعد ذلك الضوء الأخضر لاستعادة أراضٍ داخل غزة وتنفيذ خطوات إضافية للضغط على الحركة.
وبحسب مسؤولين إسرائيليين، عقد نتنياهو اجتماعًا مع قادة الأجهزة العسكرية الذين أوصوا باستعادة السيطرة على بعض المناطق في غزة وشنّ هجمات محددة، لكنه فضّل انتظار التنسيق مع واشنطن. إلا أن هجوم رفح الذي وقع لاحقًا غيّر الحسابات الميدانية، فاجتمع نتنياهو مجددًا مع حكومته المصغرة وقرر تنفيذ ضربات فورية على القطاع، في خطوة قال مسؤولون إنها لن تؤدي إلى انهيار الهدنة، لكنها ستسهم في “تنفيذ الاتفاق بشكل كامل”.
في المقابل، عبّرت الإدارة الأميركية عن خشيتها من أن يؤدي التصعيد إلى تقويض الاتفاق الهشّ الذي رُسمت حدوده برعاية أميركية ومصرية، وسط إدراك واسع لصعوبة العثور على رفات الجنود الإسرائيليين بعد الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب في غزة.
وفي القدس، حذّر خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري من تداعيات الحفريات الإسرائيلية المتواصلة أسفل المسجد وحوله، مؤكدًا أن آثارها السلبية باتت واضحة نتيجة توسعها واستمرارها دون توقف. وقال في تصريح إن هذه الحفريات “تشكل جريمة متكاملة تستهدف هوية المسجد الأقصى وتراثه التاريخي”، موضحًا أن سلطات الاحتلال أزالت كميات كبيرة من الأتربة الداعمة لأسس المسجد، ما جعل بعض أجزائه تبدو “معلقة في الهواء”. وأشار إلى أن أعمال الحفر امتدت إلى العقارات التاريخية الملاصقة للسور الغربي، ما تسبب بتصدعات خطيرة في الأبنية العثمانية والأيوبية القديمة.
وعدّ الشيخ صبري الادعاء الإسرائيلي بأن الحفريات تهدف إلى “تعزيز البنية لمواجهة الزلازل” ذريعة باطلة لإخفاء نية مبيتة لتقويض استقرار المسجد إنشائيًا، محذرًا من أن موسم الأمطار القادم قد يزيد من خطورة الوضع بسبب تسرب المياه إلى الطبقات الترابية المزالة. وأكد أن الأقصى “وقف إسلامي خالص لا يقبل القسمة أو الشراكة”، داعيًا الأمة العربية والإسلامية إلى تحمّل مسؤولياتها في حماية أولى القبلتين من خطر الانهيار والتهويد.
في السياق ذاته، وصفت المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، خطة السلام الأميركية التي طرحها ترامب بأنها “أسوأ إهانة رأيتها في حياتي”. وقالت في مقابلة مع صحيفة “آي بيبر” البريطانية إنها لا تثق في العملية السياسية التي يقودها البيت الأبيض، لأنها “قائمة على انتهاك القانون الدولي”، معتبرة أن إسرائيل “لا تريد الفلسطينيين في غزة، بل تسعى إلى تحويل القطاع إلى غيتو سياسي منذ عام 1948”.
وانتقدت ألبانيزي وصف الاتفاق بـ”وقف إطلاق النار”، لأنه “ليس حربًا بين جيشين، بل اعتداء على شعب محتل”، محذّرة من أن الخطة الأميركية قد تفتح الباب أمام “تطهير عرقي جديد” بحق الفلسطينيين. وأضافت أن من غير المقبول أن تُمنح إسرائيل، المتهمة بارتكاب جرائم حرب وإبادة أمام محكمتين دوليتين، صلاحية تقرير مستقبل الفلسطينيين.
وتواجه المسؤولة الأممية الإيطالية الأصل حملة هجوم وتشويه واسعة من الحكومة الإسرائيلية وحلفائها، وصلت إلى حدّ فرض عقوبات أميركية عليها في يوليو الماضي، ما منعها من دخول مكتبها في نيويورك وأجبرها على مواصلة عملها من جنوب أفريقيا. وقالت إن العقوبات “تشبه أساليب المافيا في إيطاليا، التي تشوّه سمعة خصومها لإسكاتهم”، معتبرة أن واشنطن “تتبنّى سياسة تدمير النظام الدولي المتعدد الأطراف ومنع الضحايا من نيل العدالة”.
بهذا المشهد المتداخل، يبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة يقف على حافة الانهيار، محاطًا بخطاب أميركي مزدوج يبرر الرد الإسرائيلي باسم “الحق في الدفاع”، فيما تُواصل إسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض، من الغارات على القطاع إلى الحفريات في القدس. وبينما تنشغل واشنطن بتثبيت “المرحلة الثانية من السلام”، يعيش الفلسطينيون بين حصارٍ مستمر وخطرٍ وجودي يتربص بمقدساتهم، في غيابٍ شبه تام لأي إرادة دولية قادرة على ردع العدوان أو فرض العدالة.



