تقرير أخباركم – اخبارنا
فلسطين الميداني/ أخباركم – أخبارنا
في غزة، كانت السماء ما تزال تلفّ بظلامها الثقيل حين دوّى الانفجار، فاهتزّت الأرض تحت أقدام المدينة النائمة، وتناثر صدى الصاروخ في أرجائها كطعنةٍ في صدر الليل. في تلك اللحظة، كانت حنين المبحوح (34 عامًا) تحتضن طفلاتها الأربع، تحاول تهدئتهن من الخوف، قبل أن يقتلع الصاروخ الحربي الإسرائيلي منزلها من أساسه، ويحوّل أحلام الطفلات إلى رماد. طارت حنين وزوجها بفعل الانفجار وارتطما بجدار الجيران، أما صغيراتها، فغادرن الحياة دفعةً واحدة.
نجت حنين من بين الركام، لكن النجاة لم تكن رحمةً كاملة، بل بدايةً لمعركةٍ أخرى مع الألم والفقدان. استيقظت لتكتشف أن ساقها اليمنى بُترت، وأن ساقها الأخرى مشدودةٌ ببلاتينٍ حديدي، وكفّها الأيسر مشلولٌ لا يتحرك. منذ ذلك الفجر، صارت حنين سجينةَ كرسيٍّ متحرّكٍ وذكرياتٍ لا تهدأ، تحيا على صور وجوهٍ صغيرةٍ كانت تملأ بيتها بالضحكات. تقول بصوتٍ متقطّع: “تعبت عليهن سنواتٍ طويلة، أحببتهن بكل كياني، وها هنَّ رحلن فجأة، وبقيتُ وحدي أقاتل من أجل البقاء”.
لكن قتالها لا يقف عند حدود الحزن؛ فالحصار الإسرائيلي والدمار الذي ضرب القطاع الصحي في غزة حرماها من حقّها في العلاج، وحتى بعد وقف إطلاق النار، لا تزال أوراقها عالقة على المعابر المغلقة. بين الألم الجسدي الذي لا يهدأ، والفقد الذي لا يُحتمل، تمضي حنين أيامها تحاول أن تتعلّم كيف تعيش من جديد في عالمٍ سلبها كلّ شيءٍ تقريبًا، إلا ذكرياتٍ موجعةً لا تنطفئ.
ميدانيا، تسلّمت إسرائيل، امس الخميس، عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، جثماني رهينتين كانتا محتجزتين لدى حركة حماس في قطاع غزة، في إطار اتفاق وقف إطلاق النار القائم بين الجانبين. وأعلن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن الجثمانين أُعيدا إلى الجيش وجهاز الأمن العام “الشاباك” داخل القطاع، على أن يُنقلا إلى مركز الطب الشرعي للتعرّف على الهوية وإبلاغ العائلتين رسميًا.
وفي وقت سابق من اليوم نفسه، أكدت حماس في بيانٍ أنها سلّمت رفات رهينتين إسرائيليتين “في إطار صفقة طوفان الأقصى لتبادل الأسرى”، مشيرةً إلى أن عملية التسليم جرت عند الساعة الرابعة عصرًا بتوقيت غزة. وتزامن ذلك مع توترٍ ميداني متجدّد، إذ شنّ الجيش الإسرائيلي غارةً جوية على شمال القطاع قال إنها استهدفت مستودع أسلحة، رغم إعلانه إعادة العمل بوقف إطلاق النار بعد سلسلة ضرباتٍ نفذها عقب اتهام حماس بانتهاك الاتفاق. وأسفرت تلك الغارة عن مقتل شخصين، بحسب الدفاع المدني، في حين قُتل 104 أشخاص، بينهم 46 طفلًا، في الضربات الليلية السابقة، وهي الحصيلة الأعلى منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر، الذي تمّ التوصل إليه بوساطة أميركية بعد عامين من الحرب بين إسرائيل وحماس.
وكانت الحركة قد سلّمت في وقتٍ سابق جثمان الرهينة السادس عشر من أصل 28 لا يزالون في غزة، بينما أعلنت إسرائيل لاحقًا أن بعض أجزاء الرفات التي تسلّمتها تعود إلى رهينة سبق استعادة جثمانه. وأشارت حماس إلى أن تحديد أماكن الجثامين عمليةٌ معقدة بسبب حجم الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب.
وفي الضفة الغربية، استشهد الشاب يامن صامد حامد (15 عامًا) مساء الخميس، إثر إصابته بالرصاص الحي خلال اقتحام قوات الاحتلال بلدة سلواد شرق رام الله. ووفق مصادر محلية، أطلق الجنود الإسرائيليون الرصاص وقنابل الغاز والصوت على شبانٍ واجهوهم بالحجارة، ما أدى إلى إصابة الطفل إصابةً حرجة تُوفي على أثرها في مجمع فلسطين الطبي. كما منعت القوات مركبة إسعاف من نقله لفترةٍ وجيزة قبل أن تسمح بمرورها، في مشهدٍ أثار غضب الأهالي الذين وصفوا الحادثة بأنها “إعدام ميداني”.
وفي موازاة التصعيد الميداني، لا تزال الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة في تدهورٍ حاد. فقد أكد المتحدث باسم وكالة “الأونروا”، عدنان أبو حسنة، أن الوضع الإنساني “كارثي بكل المقاييس”، مشيرًا إلى أن الاحتلال يواصل فرض قيودٍ صارمة على دخول المساعدات ومنع الوكالة من العمل بحرية في القطاع، رغم قرار محكمة العدل الدولية الذي يُلزم إسرائيل بالسماح لها باستئناف نشاطها. وقال أبو حسنة إن آخر مرة تمكنت فيها الأونروا من إدخال شحنات دقيق ومساعدات غذائية كانت في مطلع آذار/مارس الماضي، ومنذ ذلك الحين توقفت الإمدادات تمامًا، ما أدى إلى ارتفاع سعر الكيلوغرام الواحد من الدقيق إلى نحو ثمانية شواقل وشحّه في الأسواق.
وأوضح أن لدى الأونروا كمياتٍ كبيرة من الدقيق تكفي لمليوني فلسطيني لكنها ما زالت عالقة عند المعابر، فيما تقف نحو ستة آلاف شاحنة محمّلة بالغذاء والأدوية والخيام في انتظار الإذن بالدخول. ورغم زيادةٍ طفيفة في كميات المساعدات منذ وقف إطلاق النار، فإنها لا تغطي سوى جزءٍ يسير من الاحتياجات الهائلة في قطاعٍ مدمّر بالكامل، على حدّ وصفه.
وفي الشأن التعليمي، قال أبو حسنة إن الأونروا استأنفت الدراسة قبل عشرة أيام بمشاركة أكثر من 300 ألف طالب، لكن 20 ألفًا فقط تمكنوا من الحضور الوجاهي بسبب النزوح وصعوبة الوصول إلى المدارس. وأضاف أن نحو ثمانية آلاف معلمٍ يواصلون التدريس في مراكز الإيواء وسط غياب الأثاث المدرسي وتفاقم الأوضاع النفسية للطلاب، مؤكدًا أن أكثر من 90% من منشآت الوكالة، بما فيها المدارس والمراكز الصحية، تضررت أو دُمرت خلال الحرب.
وحذّر من عجزٍ مالي يقدَّر بنحو 200 مليون دولار يهدد استمرار خدمات الأونروا الحيوية في مجالات التعليم والصحة والإغاثة، مشددًا على أن إنعاش الحياة في غزة يتطلب عشرات آلاف الشاحنات التي لا تحمل الغذاء والدواء فقط، بل أيضًا المعدات الطبية ومواد إعادة الإعمار لإحياء بنية تحتية شبه ميتة.



