أخباركم – أخبارنا
يستعيد الوسط الثقافي العربي اليوم أهمية النظرة الوطنية في شعر محمد الماغوط، ذلك الشاعر الذي أعاد تعريف مفهوم الانتماء والحرية والوجع الشعبي، وكتب الوطن بعيون الناس لا بعيون الملوك. فالماغوط لم يكن شاعرًا تقليديًا، بل ثائرًا لغويًا وجارحًا في صدقه، وضع بوصلة الشعر في قلب الحقيقة، ورسم الوطن كمساحة محاصرة بالألم والفساد والخوف.
الماغوط كان يرى أن الوطنية ليست خطابًا بل وجدان يومي، وأن الشاعر الحقيقي هو الذي يكتب عن الناس قبل السلطان، وعن الجائع قبل المحتفل، وعن الذي يقف في طابور الخبز قبل الذي يصنع خطب النصر.
في إحدى أشهر عباراته يقول:
“وطني ليس حقيبة… وأنا لست مسافرًا.”
بهذه الجملة يلخص الماغوط نظرته للوطن:
ليس مكانًا يُختزل في شعار، ولا يُختصر في نشيد، بل شعور ثقيل يسكن الداخل، يتقدّم مع كل نبضة.
وفي قصيدته الشهيرة “الفرح ليس مهنتي” يصرّح بوضوح:
“آهٍ لو أستطيع ابتلاعَ هذا الوطن،
ومضغَ جبالهِ وأنهارهِ،
ثم بصقهِ بعيدًا… بعيدًا.”
هذه النظرة الساخرة، القاسية، لم تكن نكرانًا للوطن، بل احتضانًا له من جهة الألم. الماغوط حوّل الوطن إلى مساحة تحاسب نفسها، وإلى مرآة يرى فيها القارئ صورته بلا تجميل.
وفي مقطع آخر من أعماله، يختزل معاناة الإنسان البسيط:
“يا وطني…
كلما أردت أن ألعق جراحك،
وجدتها تغرقني.”
هكذا كتب الماغوط وطنًا صعبًا، وطنًا غير مكتمل، وطنًا يحترق في عيون ناسه. ولم يكن يخشى في الشعر لومة لائم، بل قال الحقيقة كما هي:
“سأظل أكتب عن الوطن،
حتى يكتشف أنني مواطن.”
هذه السخرية اللاذعة هي جزء من روح الماغوط، حيث تتقاطع الوطنية مع الغضب والحنين والإحباط في آن واحد. فهو شاعر الأرض المكسورة، والناس المرهقين، والبوابات المغلقة.
النقاد يرون أن نظرة الماغوط الوطنية لم تتغذَّ من الشعارات، بل من الاحتكاك اليومي بالظلم، ومن تجربة الفقر، ومن إحساسه الدائم بأن المواطن العربي يعيش “في غرفة واحدة بلا نافذة”. لذلك جاءت كتاباته أقرب إلى الصرخة منها إلى القصيدة.
فالماغوط، عبر قصائده ومسرحياته ومقالاته، رفع الوطن إلى أعلى مقام، ولكنه في الوقت نفسه حاكمه، سخر منه، فضحه، ولامه — لأنه أحبّه بصدق.



