أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
أظهرت النتائج الأولية للانتخابات النيابية العراقية لعام 2025 أن القوى السياسية الكبرى، سواء الشيعية أو السنية، تمكنت من تثبيت حضورها عبر ضخّ أموال هائلة قبل يوم الاقتراع، في ظل منافسة شديدة اتخذت طابعًا غير مسبوق من حيث مستوى الإنفاق واستخدام النفوذ.
المعطيات تشير إلى أن الأحزاب المتنفذة ضمنت ما يزيد على مئة مقعد برلماني مسبقًا، من خلال شبكات تصويت مرتبطة بالمراقبين المسجلين رسميًا — الذين بلغ عددهم نحو مليوني مراقب — فضلًا عن التصويت الخاص للقوات المسلحة الذي منح هذه القوى ما يقرب من خمسين مقعدًا إضافيًا. هذه الآليات، رغم طابعها “الشرعي”، تمثل في الواقع أحد أشكال التلاعب المسبق بنتائج الانتخابات.
ورغم أن نسب المشاركة المعلنة تجاوزت 55%، إلا أن المال السياسي لعب دورًا مركزيًا في توجيه خيارات الناخبين. ومع محدودية المشاركة الشعبية الحقيقية، يصبح قسم كبير من الأصوات خاضعًا للبيع أو التأثير المالي، وهو ما يثير تساؤلات حول صدقية التمثيل البرلماني وقدرته على التعبير عن الإرادة العامة.
في الجانب السياسي، تبقى موازين القوى داخل المعسكرين الشيعي والسني حساسة ودقيقة. فالبيت الشيعي يشهد انقسامًا بين قوى تملك أذرعًا مسلحة وأخرى مدنية، بينما يتنافس داخل المعسكر السني أكثر من محور على الزعامة والمكاسب المحلية. أي اختلال في هذه التوازنات يمكن أن يؤدي إلى توتر سياسي واسع، وربما إلى تعطيل عملية تشكيل الحكومة المقبلة، خصوصًا في ظل الضغوط الخارجية المتزايدة.
العوامل الدولية والإقليمية تلعب دورًا حاسمًا في تحديد اتجاهات المرحلة القادمة. الولايات المتحدة تسعى لتشكيل مشهد سياسي متوازن لا يهدد مصالحها، فيما تعمل إيران على الحفاظ على نفوذها التقليدي، وتراقب تركيا مسار النتائج بما يخص حضورها في المناطق السنية والشمالية. هذه القوى تمتلك أدوات ضغط مختلفة، تجعل تأثيرها على النتائج النهائية أو تشكيل التحالفات أمرًا قائمًا بالفعل.
في إقليم كوردستان، يبدو الصراع أكثر تعقيدًا. فالتنافس بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني بلغ مستويات غير مسبوقة، خصوصًا على مقاعد الكوتا المسيحية. دعم رئيس الاتحاد الوطني بافل طالباني لريان الكلداني، زعيم حركة بابليون، كشف عن تداخل جديد في التحالفات بين القوى الكردية والمكونات الأخرى، وامتداد هذا الصراع إلى مجلس محافظة نينوى يعكس مدى تشابك المصالح الحزبية مع الحسابات المحلية.
أما على المستوى الوطني، فإن مستقبل الحكومة القادمة يتوقف على قدرة القوى السياسية على التوافق بعد إعلان النتائج النهائية. فالحكومة التي لا تحظى بتأييد برلماني كافٍ ستجد نفسها محاصرة في الأداء، ما قد يدفع بعض القوى إلى اللجوء مجددًا إلى أساليب الضغط والتأثير في فرز الأصوات أو في تشكيل الكتل.
من الواضح أن الانتخابات الحالية لم تخرج من دائرة المال السياسي والضغوط الخارجية، لكن المتغير الجديد هو أن ميزان القوة بدأ يتحرك ببطء. فالعوامل الدولية والإقليمية، والرقابة المحلية والدولية المتزايدة، قد تقلل من نفوذ الفصائل المسلحة وتدفع نحو مرحلة سياسية أكثر انضباطًا وإن لم تكن مستقرة بعد.
في المحصلة، هذه الانتخابات تبدو أقرب إلى محطة لإعادة توزيع النفوذ أكثر منها تحولًا ديمقراطيًا حقيقيًا. ويبقى السؤال: هل سيتحول هذا البرلمان إلى فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، أم أنه سيكون استمرارًا لمنظومة المحاصصة ذاتها بوجوه مختلفة؟
خريطة القوى والتحالفات الانتخابية
تشهد الانتخابات الراهنة، بحسب الأرقام الصادرة عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، مشاركة 31 تحالفًا و38 حزبًا و75 مرشحًا مستقلًا، للتنافس على 329 مقعدًا، يخصص 9 منها لكوتا المكونات. ومع الإعلان عن انطلاق الحملات الانتخابية في 3 تشرين الأول/ أكتوبر، برزت مفارقة لافتة تمثلت في أن هذه الانتخابات قد حملت، ربما، الشعارات الأكثر طائفية منذ بدء العملية الانتخابية في العراق منذ عام 2003.
فلم يعُد التنافس يدور بين كتل تمثّل هويات طائفية متقابلة، أو بين كتل ذات قواعد طائفية وأخرى ذات توجه وطني عام، بل بات التنافس محصورًا داخل كل مكون.
تكرّس هذه الانتخابات، في ما يتعلق بالتعبئة والدعاية، تراجع البرامج التفصيلية لصالح الاقتصار على اسم الكتلة المشاركة، مختَزَلةً في اسم زعيمها وصورته، وأحيانًا في شعار مفتاحي يعبّر عن الكتلة ومضمونها، مثل: “دولة القانون”، أو “عراق قوي”، أو “الإعمار والتنمية”، أو “تقدم”، أو “السيادة”، أو “الحسم الوطني”، أو “البديل”. وكان جزء لا بأس به منها ذا مضمون طائفي.
وإذا انتهى التنافس بين المكونات لصالح التنافس داخل كل مكون، فإن تصاعد الشعارات الطائفية يعكس سباقًا داخليًا بين قوى المكون الواحد لإثبات تفوقها في تمثيله.
ومن أبرز سمات هذه الانتخابات، كما في سابقاتها، “تشظي” الكتل الممثلة لكل مكون، وعدم دخولها في ائتلافات؛ ما يجعل من الانتخابات وسيلة لتحديد وزن كل كتلة داخل المكون، لا تنافسًا عامًا على السلطة، بل ستكون تنافسًا على المناصب المحددة سلفًا لكل مكون.
بناء عليه، وبما أن المكون الشيعي يحاجّ بحقه، الذي يفرضه الواقع الديموغرافي، في تولّي منصب رئيس الوزراء، فإن الوظيفة الأساسية للانتخابات البرلمانية باتت تتمثل في تحديد الرصيد الرقمي للكتلة التي ستشكّل الحكومة وترشّح رئيس الوزراء، والتي قد لا تكون بالضرورة الكتلة الفائزة، بل التي تنجح في عقد صفقة بين الكتل الشيعية لتشكيل أكبر كتلة داخل البرلمان، كما حصل في دورتين انتخابيتين سابقتين من أصل خمس.
ويكشف هذا الأمر عن أزمة شرعية في النظام السياسي العراقي؛ فمع مقاطعة الانتخابات والعزوف عن التصويت فيها، واقتصار الكتل الفاعلة على تمثيل مكونات بعينها، لا سيما المكون الشيعي، فضلًا عن أن تشكيل الحكومة وترشيح رئيسها غالبًا ما يكونان عبر صفقات بين كتل تمتلك عددًا محدودًا من المقاعد، لا عبر الكتلة الفائزة، فإن ذلك كله يجعل الحكومة لا تمثل سوى شريحة ضيقة من الشعب العراقي.
ويلاحظ في هذا السياق أيضًا تأثير التحولات الإقليمية العميقة، التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، في المشهد الانتخابي العراقي؛ إذ باتت قدرة إيران على ترتيب التحالفات الانتخابية داخل المعسكر الشيعي أضعف مما كانت عليه سابقًا، في وقت تتزايد فيه الضغوط الأميركية على الحكومة العراقية للحدّ من نفوذ الجماعات القريبة من إيران.
وفي ظل تراجع الحماسة الشعبية، وانشغال القوى السياسية بتثبيت توازنات الوضع القائم بدل الدفع بالمسار الديمقراطي، غدت الانتخابات أداة لتعزيز حجم قواعدها داخل مكوناتها. ويتجلى هذا التوجه في الانقسام داخل “الإطار التنسيقي”، الذي فضّلت قواه السياسية خوض الانتخابات منفردةً، وإعلان نيتها الالتئام مجددًا بعد الانتخابات، رغم أنها شكّلت سابقًا كيانًا بمنزلة مجلس لإدارة الدولة.
يقابل هذا الوضع ما تشهده القوى السنية من انقسامات داخلية وصراع انتخابي شرس، رغم محاولات رأب الصدع، بهدف كسب المقاعد المخصصة في المحافظات ذات الأغلبية السنية.



