أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي
في لحظة سياسية متشابكة تعكس حجم الصراع على مستقبل غزة، تتكثّف التحركات الدولية داخل مجلس الأمن وخارجه بحثًا عن صيغة تُنهي الحرب وتحدد ملامح اليوم التالي، فيما تبقى الأرض مسرحًا لانهيار إنساني غير مسبوق.
ففي الوقت الذي دفعت فيه الولايات المتحدة، مدعومةً من قطر ومصر والإمارات والسعودية والأردن وتركيا وإندونيسيا وباكستان، نحو تبنّي قرار أممي يمنح شرعية لخطة انتقالية شاملة في القطاع، برزت موسكو وبكين بمشروع مضاد يرفض “مجلس السلام” الأميركي ويطالب بمقاربة مختلفة لوقف النار، ما كشف عمق الانقسام داخل أروقة المنظمة الدولية حول هوية الجهة التي ستدير غزة ومن سيملك قرار أمنها وإعمارها.
ومع احتدام هذا السجال الدبلوماسي، تتسع فجوة الواقع على الأرض: خيام غارقة، آلاف العائلات بلا مأوى، ووقف إطلاق نار هشّ يتآكل تحت وطأة القصف والاعتداءات. وبينما تتحدث واشنطن عن “مرحلة انتقالية” تقودها قوة استقرار دولية وتُدار عبر مجلس سلام مؤقت، تشير تقارير أممية ودولية إلى غياب أي ضمانات حقيقية لعودة الحياة أو حماية المدنيين، وسط رفض روسي–صيني وعربي لبعض بنود الخطة الأميركية.
وفي خلفية هذا المشهد، يواصل المستوطنون اعتداءاتهم في الضفة بلا رادع، فيما تحذّر الأمم المتحدة من انهيار شامل يهدد المنطقة بأكملها. المشهد اليوم معلق بين دبلوماسية متصارعة تبحث عن شرعية جديدة لإدارة غزة، وواقع ميداني ينهار تحت الأمطار والقصف… وبينهما شعبٌ يواجه عامه الثالث من الإبادة بلا سقف ولا أمان.
فقد أصدرت الولايات المتحدة وقطر ومصر والإمارات والسعودية وإندونيسيا وباكستان والأردن وتركيا بيانًا مشتركًا أعلنت فيه دعمها لمشروع قرار مطروح في مجلس الأمن بشأن غزة، صاغته واشنطن بعد مشاورات واسعة مع أعضاء المجلس وشركاء في المنطقة. وأوضح البيان أن القرار يدعم الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة، والتي أُعلن عنها في 29 أيلول/سبتمبر وحظيت بتأييد واسع خلال اجتماع شرم الشيخ، معتبرًا أن الخطة تمثل مسارًا واقعيًا نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة، وتفتح الطريق أمام سلام واستقرار يمتدان إلى المنطقة بأكملها. وأكدت الدول الموقعة تطلعها لاعتماد سريع للقرار داخل مجلس الأمن.
هذا التطور جاء فيما اقترحت روسيا مشروع قرار خاصًا بها، في تحدٍّ للمسودة الأميركية التي تتضمن ولاية لمدة عامين لهيئة حكم انتقالية وقوة استقرار دولية. وقالت موسكو في مذكرة داخلية إن مشروعها يستند إلى نص واشنطن لكنه يسعى إلى صياغة “نهج متوازن ومقبول” لتحقيق وقف مستدام للأعمال العدائية. وينص المشروع الروسي على طلب خيارات من الأمين العام لنشر قوة استقرار في غزة، من دون الإشارة إلى “مجلس السلام” الذي تقترحه الولايات المتحدة كإدارة انتقالية للقطاع.
وردت البعثة الأميركية في الأمم المتحدة بالتأكيد أن أي محاولات لإعاقة مشروع القرار الأميركي في هذا التوقيت ستكون لها “عواقب وخيمة” على الفلسطينيين في غزة، معتبرة أن وقف إطلاق النار الحالي “هش” وأن توحّد المجلس ضروري لضمان تثبيت السلام.
وفي السياق نفسه، دافع مايك والتز، سفير ترامب لدى الأمم المتحدة، في مقالة بالواشنطن بوست، عن المقترح الأميركي الذي يعرض إنشاء مجلس سلام وإطلاق قوة متعددة الجنسيات مهمتها نزع السلاح وتأمين المدنيين لعامين. ويعمل المجلس كإدارة انتقالية تدعم لجنة فلسطينية تكنوقراطية تتولى تشغيل الخدمة المدنية وإدارة الحياة اليومية، بينما تواصل السلطة الفلسطينية تنفيذ إصلاحاتها المطلوبة. وقال والتز إن المجلس سيتولى تنسيق المساعدات الإنسانية والإشراف على إعادة إعمار غزة وتطويرها اقتصاديًا، بما يمكّن الفلسطينيين من تعزيز استقلاليتهم تدريجيًا. وأضاف أن رئيس البنك الدولي أيّد المسعى باعتباره إطارًا مناسبًا لانخراط البنك في جهود الإعمار.
وتشير المبادرة الأميركية إلى أن قوة الاستقرار ستعمل بالتنسيق مع مصر وإسرائيل والشرطة الفلسطينية لضمان الأمن، وحماية الممرات الإنسانية، ودعم تنفيذ رؤية السلام الأميركية المؤلفة من 20 نقطة. وترى واشنطن أن اعتماد القرار في مجلس الأمن سيكون خطوة مفصلية لتثبيت الاستقرار في غزة، بينما قد يؤدي رفضه أو تأجيله إلى تفاقم الوضع الإنساني واستمرار النزاع.
وحظيت الخطة بدعم دول عدة، بينها قطر وتركيا ومصر، في حين تؤكد واشنطن أن الهدف منها إنشاء إدارة مؤقتة في غزة بعيدًا عن سيطرة حركة حماس، وتهيئة الظروف أمام الفلسطينيين لإدارة شؤونهم المدنية خلال المرحلة الانتقالية.
ورحبت دولة فلسطين عبر بيان رسمي صادر عن “وفا” بالبيان الداعم للمشروع الأممي والخطة الشاملة لإنهاء الصراع. وأكدت أن الجهود تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وصولًا إلى انسحاب كامل للاحتلال من القطاع والشروع الفوري في إعادة الإعمار. وشددت على أن غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، وأن السلطة جاهزة لتحمل مسؤولياتها في إطار وحدة الأرض والمؤسسات.
لكن، وفق وكالة “أسوشيتد برس”، يواجه مشروع القرار الأميركي رفضًا من روسيا والصين ودول عربية تبدي قلقًا من إنشاء “مجلس سلام” مؤقت ومن غياب دور واضح للسلطة الفلسطينية خلال المرحلة الانتقالية. وقال دبلوماسيون للوكالة إن موسكو وبكين تطالبان بحذف بند المجلس بالكامل باعتباره جزءًا من خطة أميركية لا تحظى بإجماع دولي. ورغم ذلك حافظت آخر نسخة من المشروع على الإشارة إلى المجلس مع إضافة تأكيدات على حق الفلسطينيين في تقرير المصير، رغم اعتبار بعض المصادر الصياغة “ضعيفة”.
وفي الجانب الإسرائيلي، نقلت “يديعوت أحرونوت” عن مصادر أن بعض بنود المشروع الأميركي تثير امتعاض تل أبيب، خصوصًا ما يتعلق بمسار الدولة الفلسطينية، إضافة إلى بند يمنعها من الاعتراض على الدول المشاركة في قوة الاستقرار الدولية. وذكرت إذاعة جيش الاحتلال أن إسرائيل سلّمت واشنطن “معلومات استخباراتية” تزعم بأنها تثبت دعمًا تركيًا مباشرًا لحماس وحزب الله، في مسعى لعرقلة أي دور تركي محتمل ضمن ترتيبات غزة، وفق الادعاء الإسرائيلي.
وفي موازاة هذا الحراك السياسي، كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يخطط لعقد لقاء قريب مع خليل الحية، كبير مفاوضي حماس ورئيسها في غزة، في مؤشر إلى رغبة إدارة ترامب في الحفاظ على قناة اتصال مباشرة مع الحركة رغم الانتقادات. وأوضحت الصحيفة أن اللقاء، الذي لم يحدد موعده بعد، قد يتغير حسب الظروف، وأن الملفات المطروحة تشمل اتفاق وقف إطلاق النار والمسائل العالقة. وكان ويتكوف قد التقى الحية في شرم الشيخ بحضور جاريد كوشنر قبل توقيع الاتفاق الأخير، كما أن مسؤولين آخرين في الإدارة الأميركية أجروا لقاءات سابقة مع ممثلين عن حماس في إطار مفاوضات خاصة بقضايا إنسانية.
وعلى مستوى التطورات الميدانية في الضفة الغربية، حذّر الخبير العسكري في صحيفة هآرتس عاموس هرئيل من اتساع اعتداءات المستوطنين وتحولها إلى “إرهاب منظم” يجري بلا رادع، معتبرًا أن الضفة تقف على حافة انفجار. وقال إن الاعتداءات اليومية لم تعد أعمالًا فردية بل نمطًا ممنهجًا يشمل حرق ممتلكات الفلسطينيين وطردهم من أراضيهم والاعتداء على المزارعين، وسط تراجع قدرة الردع وغياب إرادة سياسية لوقف الظاهرة. وأشار إلى أن الجيش والشرطة يدركان في اجتماعات مغلقة خطورة الوضع، لكنهما يمتنعان عن اتخاذ خطوات نتيجة اعتبارات سياسية داخل الحكومة.
وفي غزة، تواصل الأمطار كشف هشاشة الوضع الإنساني في مخيمات النزوح. فقد أعلنت المديرية العامة للدفاع المدني أنها تلقت عشرات نداءات الاستغاثة منذ الصباح مع غرق خيام النازحين في مناطق واسعة من القطاع، خصوصًا في غزة والوسطى. وتركزت البلاغات في مناطق النفق والدرج واليرموك والزيتون ومخيم الشاطئ، إضافة إلى مواقع عدة في دير البلح والبريج والنصيرات. وقالت المديرية إن آلاف الأسر فقدت ما تبقى من مأوى هشّ، داعية الأطراف الدولية الراعية لوقف إطلاق النار إلى التحرك العاجل.
وأشار المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن نحو مليون ونصف إنسان يعيشون في الخيام منذ بدء الحرب، وأن دخول فصل الشتاء ساهم في تعميق المأساة الإنسانية، حيث باتت آلاف العائلات بلا خيمة أو غطاء يحميها من الأمطار والرياح. وأكد أن الوضع الإنساني لم يتغير رغم إعلان وقف إطلاق النار، نتيجة استمرار الاحتلال في منع دخول المساعدات الأساسية ومواد الإعمار والإيواء. وأضاف أن القطاع يحتاج إلى 250 ألف خيمة و100 ألف كرفان لتأمين الحد الأدنى من المأوى المؤقت، محملًا المجتمع الدولي مسؤولية التدهور المتسارع في أوضاع النازحين.
وبينما تتكثف الضغوط الدولية لتمرير قرار أممي جديد قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة، يبقى الواقع على الأرض مريرًا: مشهد سياسي متنازع عليه، وخلافات دولية حول مستقبل غزة، ونازحون يواجهون شتاءً قاسيًا بلا مأوى، في وقت تتزايد فيه الاعتداءات في الضفة والضغوط على الفلسطينيين تحت سقف اتفاق هشّ لا تزال التحديات تهدده من كل الجهات.



