تقرير أخباركم – اخبارنا
فلسطين الميداني/ ريما يوسف
في غزة، كانت أسماء الصانع تمشي بين الصور كمن يخوض طريقًا محفوفًا بالأوجاع، تتفحّص وجوه الشهداء بعينين تحملان رجاءً يائسًا وخوفًا مكتومًا. تبحث عن الشامة على الخد، عن ثنية في القميص، عن لون حذاء يشبه ما كان ينتعله زوجها. كل تفصيل صغير كان احتمالًا يعيد إليها نصف قلبها المفقود. الصمت من حولها ثقيل، يضغط على صدرها، لكن شيئًا في داخلها يدفعها إلى المواصلة؛ كأن الحقيقة، مهما كانت قاسية، أصبحت قدرًا لا بدّ من بلوغه.
وتقول أسماء إن رحلتها في البحث لم تكن مجرد محاولة لمعرفة مصير زوجها، بل كانت اختبارًا للروح، تجربة تتجاوز الخوف وتستند إلى يقين بأن الله يرافق خطواتها. كانت تتوضأ قبل دخولها هذا العالم القاسي، وتستودع عقلها وقلبها لله، خشية أن يخذلها الصبر أمام مشاهد الأجساد المشوهة وآثار التعذيب التي لا تنتهي.
وفي يوم مختلف، رافقت صديقة فقدت زوجها في الطريق نفسها. وبينما كانت تواسيها، شعرت أن روح “أبو يحيى” تقترب منها، كما لو أن شيئًا يهمس في قلبها بأن النهاية قريبة. ولم تمضِ ساعة حتى رنّ هاتفها معلنًا العثور على جثمانه. تصف اللحظة بأنها ارتقاء آخر، وجع يتجدد، لكنها رأت في جسده الطاهر رحمةً إلهية؛ بدا كاملًا، بلا ملامح صادمة، كما لو أن الله لطف وداعها.
تقول أسماء إن فخرها بزوجها المجاهد سلامة العروقي لا يقلّ لحظة عن ألم فقده. كان شجاعًا، زاهدًا، حنونًا، يحب أولاده ويغار عليهم. وتؤكد أن رحلة البحث لم تكن رحلتها وحدها، بل تجربة تعيشها كل عائلة غزية تخشى أن تمر صورة حبيبها أمامها دون أن تتعرّف إليه.
ميدانيا، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر الأحد، حملة مداهمات واعتقالات واسعة في مناطق عدة بالضفة الغربية، رافقها تنكيل بالمواطنين وتخريب للمنازل. ففي بلدة بيت أمر شمال الخليل، اعتقل جيش الاحتلال المواطن بهاء علي صبارنة، والد الشهيد بلال الذي لا يزال جثمانه محتجزًا، كما أعاد اعتقال الأسير المحرر منذ ثلاثة أيام وحيد حمدي أبو ماريا، واعتقل أبناءه حمزة ومحمد وخطاب بعد تخريب محتويات منزلهم.
وفي دورا جنوب الخليل، اعتقلت قوات الاحتلال الشقيقين علاء وجهاد كامل ابريوش والشاب رائد بدوي حمدان بعد اقتحام منازلهم والعبث بمحتوياتها. كما اقتحمت قوات الاحتلال بلدة حوسان غرب بيت لحم واعتقلت الأسير المحرر جمال حمامرة ونجله محمد. وفي أريحا، اعتدت قوات الاحتلال بالضرب المبرح على الأسير المحرر خالد الراعي قبل اعتقاله من منزله في حي كتف الواد.
ومع منتصف الليل، اقتحمت قوات الاحتلال مخيم عسكر القديم شرقي نابلس، ما أسفر عن استشهاد الشاب حسن شركسي متأثرًا بإصابته بالرصاص. وتعاملت طواقم الهلال الأحمر مع شهيد ومصاب خلال الاقتحام. كما نفذت قوات الاحتلال اقتحامات في قريتي حجة وباقة الحطب شرق قلقيلية، ومخيم الفارعة جنوب طوباس، ودير ابزيع غرب رام الله، دون الإبلاغ عن اعتقالات.
وفي سياق متصل، هاجم مستوطنون أربعة فلسطينيين قرب بلدة بيتونيا غرب رام الله، ولاحقوا مركبتهم نحو المناطق الجبلية القريبة من بيت عور، من دون معرفة مصيرهم حتى اللحظة. وفي دورا جنوب الخليل، أصيبت امرأة تبلغ من العمر 25 عامًا برصاصة معدنية مغلفة بالمطاط في الرأس خلال اقتحام قوات الاحتلال للبلدة، فيما أصيب آخرون بالاختناق جراء قنابل الغاز.
كذلك اقتحمت قوات الاحتلال بلدة كفر عقب شمال القدس وداهمت محال تجارية، كما اقتحمت قريتي عورتا وتل جنوب نابلس، وأطلقت الرصاص الحي وقنابل الغاز دون تسجيل إصابات.
وفي الأغوار الشمالية، هدمت قوات الاحتلال منشأة سكنية وحظيرتي ماشية في تجمع المالح تعود للمواطن محمد فارس صبيح، بعدما اقتحمت المنطقة بقوة راجلة. وأشارت مصادر محلية إلى أن الاحتلال بات يعتمد أساليب جديدة في عمليات الهدم بعد أن كان المستوطنون قد اقتحموا المنطقة صباحًا واحتجزوا عددًا من الأهالي.
وتشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن المستوطنين ارتكبوا 7154 اعتداءً في الضفة خلال عامي الحرب على غزة وحتى 5 أكتوبر الفائت، ما أدى إلى استشهاد 33 فلسطينيًا وتهجير 33 تجمعًا سكانيًا. كما أدى عنف جيش الاحتلال والمستوطنين معًا إلى استشهاد ما لا يقل عن 1072 فلسطينيًا وإصابة نحو 10,700 واعتقال أكثر من 20,500 منذ 8 أكتوبر 2023.



