أخباركم.- أخبارنا/ عايدة الأحمدية
في ذروة الضجيج الدبلوماسي الذي يملأ الكواليس الدولية، تعود غزّة لتتصدر واجهة لعبة الأمم. لكنها هذه المرّة ليست مجرد ساحة حرب، بل تتحوّل إلى جائزة سياسية وأمنية كبرى يتنافس عليها اللاعبون الدوليون والإقليميون. فالمداولات المتسارعة في مجلس الأمن، والحراك الأميركي – الإسرائيلي، وما يرافقه من مشاورات عربية وإقليمية، تكشف أن ما يُحضّر لغزّة يتجاوز وقف النار وإعادة الإعمار؛ إنه مشروع كامل لإعادة هندسة القطاع سياسيًا وأمنيًا وجغرافيًا، تحت عنوان “قوة الاستقرار الدولية”، بهدف وضع اليد على غزة بصيغة جديدة تتفوّق على الاحتلال في التحكم والسيطرة.
وصاية مُقنّعة بغطاء دولي
المشروع الذي. تعمل الولايات المتحدة منذ أسابيع على تمرير قرار لإنشاء قوة دولية مؤقتة في غزة (ISF)، تستند إلى خطة ترامب السابقة المؤلفة من 20 بندًا. ومنذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن هذه القوة ليست لحفظ السلام، بل لترتيب واقع جديد يمنح واشنطن اليد العليا في إدارة القطاع.
فالمسودة الأميركية تمنح القوة الدولية صلاحيات واسعة، وتضعها تحت قيادة أميركية مباشرة، على أن ترفع تقاريرها أولًا إلى واشنطن قبل الأمم المتحدة. أما “مجلس السلام” المقترح لإدارة الشؤون المدنية، فليس سوى واجهة سياسية لتبرير الوصاية الأميركية، بينما تبقى إسرائيل صاحبة الفيتو الميداني على كل خطوة.
الأخطر أن المسودة لا تفرض انسحابًا إسرائيليًا كاملًا، بل تربطه بمعايير أمنية فضفاضة أبرزها “النزع التام للسلاح” و”تصفير التهديدات”. وبذلك يتحوّل الانسحاب إلى أداة ضغط، ويصبح الوجود العسكري الإسرائيلي على “الخط الأصفر” جزءًا من ترتيبات دائمة لا مؤقتة.
غزة بلا حماس… وبلا سلاح
القوة الدولية المقترحة تحصل، بحسب المشروع، على تفويض باستخدام “كل الوسائل اللازمة”، بما في ذلك عمليات قتالية داخل القطاع. وفي المقابل، تمنح المسودة إسرائيل الحق في استئناف العمليات العسكرية إذا اعتبرت أن “التهديد عاد”.
بهذه الصياغة، يتحوّل القطاع إلى منطقة أمنية دولية تُدار تحت سقف الأمن الإسرائيلي والقرار الأميركي، فيما يكون الدور العربي مقيّدًا، وسلطة فلسطينية مُعاد تشكيلها بلا صلاحيات سيادية حقيقية.
المشهد الإقليمي: إجماع هش
رغم ان البيان المشترك لواشنطن مع قطر ومصر والإمارات والسعودية والأردن وتركيا وباكستان أعطى زخماً شكلياً للخطة، لكنه أخفى تحت السطح خلافات عميقة حول جوهر المشروع، فالموقف الإقليمي يشبه تحالفًا سلبيًا أكثر منه إستراتيجية موحدة:
· مصر: تخشى من تصدير الأزمة إلى سيناء وأي حل يؤدي إلى تهجير الفلسطينيين، مما يهدد أمنها القومي.
· دول الخليج (السعودية والإمارات): توازن بين ضغط الحليف الأمريكي وعدم القدرة على تبرير أي خطوة تتخلى عن “ثوابت القضية الفلسطينية” أمام شعوبها وفي سياق التنافس الإقليمي.
· تركيا: تبحث عن دور إقليمي يعزز نفوذها ويمنع استبعادها من ترتيبات المنطقة.
· الجزائر: تمثل قطب المقاومة في المحافل الدولية، وقادرة على تعطيل المشروع في مجلس الأمن، مما يعكس انقسامًا عربيًا أعمق
غزّة في قلب صراع دولي أوسع
ما يجري ليس مجرد خطة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، بل صراع بين القوى الكبرى:
واشنطن تريد تثبيت نفوذها في غزّة، فيما تنظر موسكو إلى الملف باعتباره ساحة جديدة للمواجهة مع الولايات المتحدة. أما إسرائيل، فترى في الخطة فرصة لتحقيق أمن مطلق عبر إدارة دولية تُشرعن وجودها غير المباشر. وفي المقابل، تسعى بعض الأطراف العربية إلى كبح الاندفاع الأميركي- الإسرائيلي أو على الأقل إعادة صياغته.
الفصائل الفلسطينية: رفض لأي وصاية
الموقف الفلسطيني جاء واضحًا وحاسمًا:
رفض كامل لمشروع القوة الدولية بالشكل المطروح ورفض قاطع لأي وصاية أميركية – إسرائيلية.واعتباره محاولة لتشكيل “إدارة أمنية متعددة الأطراف” هدفها حماية إسرائيل وليس الفلسطينيين.
الفصائل، من حماس إلى الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، أصدرت بيانًا موحدًا شددت فيه على أن “النموذج العربي- الإسلامي” هو الأكثر قبولًا، شرط ضمان وحدة الأرض ومنع أي هيمنة أجنبية.
السلطة الفلسطينية: خشية من بديل للشرعية
السلطة الفلسطينية لا تبتعد عن السياق. فهي تبدي قبولًا مبدئيًا بخطة تسمح بعودتها إلى غزة، لكن ضمن مسار سياسي واضح يقود إلى إقامة دولة فلسطينية.
وفي الوقت نفسه، تحذر من أن يتحوّل “مجلس السلام” المقترح إلى كيان بديل يقوّض الشرعية الفلسطينية. لذلك تشدد على أنها المرجعية الوحيدة لأي إدارة انتقالية في القطاع.
الغزّاويون: رفض لأي وصاية أجنبية
على الأرض، يتخذ الرفض الشعبي في غزة والضفة طابعًا أكثر حدة، قائمًا على قناعة بأن أي دور أميركي مباشر يعني تكريس قطاع يتحوّل إلى منطقة أمنية معزولة تحت رقابة إسرائيلية دائمة.الفلسطينيون يستعيدون تجارب القوات الدولية في لبنان والبوسنة وتيمور الشرقية، ويرون في الخطة المقترحة نموذجًا لحماية ترتيبات سياسية – أمنية مفروضة من الخارج، لا لحماية المدنيين.
وسط كل هذه المشاريع، تبقى إرادة الشعب الفلسطيني عنصرًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه، لكنها- بعد حرب دمّرت البشر والحجر- ليست وحدها كافية لوقف مسار دولي بهذا الحجم. فغزّة التي صمدت في الميدان تواجه اليوم معركة سياسية أشد تعقيدًا، معركة تُخاض في العواصم الكبرى وتُرسم على طاولات القوى العظمى، حيث موازين القوى لا تميل لصالحها.
ومع ذلك، فإن صوت غزة، بعمق جراحه وصلابة بُناه الاجتماعية، يظلّ قادراً على إرباك تلك الخطط، وعلى تذكير العالم بأن أي مشروع يتجاهل أصحاب الأرض مصيره الفشل. لكن نجاح الفلسطينيين في مواجهة هذا المسار لا يمكن أن يتحقق بالقدرة الذاتية وحدها، بل عبر شبكة دعم عربي-إسلامي، وتحالف سياسي يضع حقوقهم في قلب المشهد الدولي.
غزّة اليوم ليست بحاجة إلى وصاية جديدة، بل إلى اعتراف بحقيقة بسيطة:
أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالقوات الدولية، بل بالعدالة، وأن الاستقرار لا يتحقق بإعادة هندسة الجغرافيا، بل بإعادة الاعتبار للشعب الذي ظلّ رغم كل شيء، الطرف الأكثر حضورًا وغيابًا في آن واحد عن طاولة القرارات الكبرى.



