أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
تقف الساحة اللبنانية في منعطف شديد الحساسية، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع اهتزازات الداخل وتوترات الجنوب لتشكّل مشهداً متشابكاً يضع السلطة أمام اختبار مصيري. في لحظة تُحتم على الدولة تجاوز لعبة المواربة وازدواجية القرار.
المطلوب من لبنان
تأتي ذكرى الاستقلال هذا العام فيما واشنطن تُلوّح بصفارة إنذار غير مسبوقة، مطالبةً السلطة بضبط السلاح خارج الدولة والشروع بإصلاحات جدية قبل أن يفوت لبنان قطار التسويات الإقليمية والدولية. ومن الامور المستجدة عشية الاستقلال تنظيقف مؤسسة الجيش من الضباط الموالين لحزب الله وربما اقالة قائد الجيش.
بالمقابل شدّد قائد الجيش العماد رودولف هيكل في أمر اليوم بمناسبة الذكرى الثانية والثمانين للاستقلال على أنّ لبنان يمرّ بمرحلة مصيرية وصعبة نتيجة الاحتلال الإسرائيلي لبعض أراضيه واستمرار الاعتداءات التي توقع شهداء وجرحى وتمنع استكمال انتشار الجيش. وأكد أنّ المؤسسة العسكرية، رغم إمكاناتها المحدودة، بذلت جهودًا كبيرة لتطبيق خطتها جنوب الليطاني التزامًا بالقرار 1701 وبالتنسيق مع اليونيفيل، وقدّمت تضحيات جسيمة دفاعًا عن سيادة الوطن. ودعا هيكل مؤسسات الدولة إلى مواكبة عمل الجيش عبر توفير الإمكانات وتحسين أوضاع العسكريين، مشددًا على ضرورة العمل بالحكمة والحزم والاحتراف لضمان السلم الأهلي. كما لفت إلى استمرار الجيش في محاربة الإرهاب، وضبط الحدود، ومكافحة المخدرات، ومنع التهريب، بالتعاون مع الجهات السورية والدول الصديقة. وخاطب العسكريين داعيًا إياهم إلى التمسك بالقيم الوطنية والصمود في وجه حملات التشكيك، معتبرًا أنهم نبض الوطن وسنده الأساسي. وختم برسالة إلى اللبنانيين دعاهم فيها للوقوف إلى جانب جيشهم، مؤكّدًا أنّ الوحدة الداخلية هي شرط نهوض لبنان، وأنّ وطنهم سيتجاوز التحديات بفضل تماسك أبنائه وصلابة جيشه.
على الحدود الجنوبية، تتسارع التحذيرات الدولية مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وخرق تفاهمات وقف الأعمال العدائية، فيما تتحرك الدبلوماسية الفرنسية بالتنسيق مع واشنطن لاحتواء الانفجار المحتمل. وفي الموازاة، تحمل رسالة رئيس الجمهورية المرتقبة دلالات في توقيتها ومضمونها، وسط مساعٍ لفتح نافذة سياسية مع باريس ومناقشة ملف الميكانيزم الحدودي.
في الداخل، تتداخل المواقف السياسية بين دعوات لوقف “الوشاية” بالجيش وتحصين دوره، وبين اتهامات بتعطيل المؤسسات، وصراع حول قانون الانتخاب، بينما تبرز مقاربة حكومية تؤكد جاهزية لبنان للتفاوض الحدودي، وتشدد على أن خطة ضبط السلاح جنوب الليطاني تتقدم تدريجياً، بإسناد من الجيش وتنسيق مع الدول المعنية.
ومع دخول العامل الدولي بثقله عبر إحاطة الأمم المتحدة وتحذيراتها من الوقت الضائع، يبرز سؤال جوهري: هل يلتقط لبنان فرصة الإنقاذ عبر توحيد القرار وكسر الجمود، أم يسقط مجدداً في مأزق الانقسامات الداخلية التي لطالما رهنت خياراته وأضعفت موقعه في لحظات الحسم؟
إذا، تحلّ الذكرى الثمانون للاستقلال مثقلة بإنذار أميركي يطالب السلطة بالتخلي عن وهم المماطلة و“التذاكي” على الخارج، والإسراع في حصر السلاح بيد الدولة والشروع بإصلاحات حقيقية قبل أن يفوت قطار التسويات. عشية العيد، طغت الانتكاسة التي أصابت العلاقة بين الجيش اللبناني والإدارة الأميركية، وقرار الحكومة التشدد في ملف السلاح، إلى جانب التطورات الميدانية جنوباً، على المواقف الرسمية وعلى جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في بعبدا. وفي الوقت نفسه، دفعت مجموعة الخماسية باتجاه تطويق التوتر، مع إعلان الخارجية الفرنسية أنها تعمل مع واشنطن على تخفيف الاحتقان بين إسرائيل ولبنان.
ويستعد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لتوجيه رسالة إلى اللبنانيين مساء اليوم الجمعة يتناول فيها التطورات الأخيرة وموقف لبنان منها. وكان عون قد استقبل السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو وبحث معه الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، وعمل لجنة “الميكانيزم”، إضافة إلى العلاقات اللبنانية–الفرنسية.
وفي رسالة بمناسبة الاستقلال، شدد رئيس مجلس النواب نبيه بري على أن الاستقلال “امتحان يومي” وعلى ضرورة صون السيادة وتحصين الإرادة الوطنية، داعياً إلى دعم الجيش باعتباره المؤسسة الضامنة، ومهاجماً محاولات “التشكيك والوشاية” بدوره. وقال إن اختبار الاستقلال الحقيقي اليوم هو في الجنوب، حيث تُقاس جدية السلطات في وقف العدوان الإسرائيلي وإعادة الإعمار.
وفي موازاة المواقف الداخلية، أكد رئيس الحكومة نواف سلام لوكالة بلومبرغ أنه سيناقش مع المسؤولين الأميركيين رفض إسرائيل التفاوض، مشيراً إلى أن لبنان “مستعد للانخراط في مفاوضات” حول الحدود البرية والمناطق التي لا تزال إسرائيل تحتفظ بها. وأوضح أن خطة نزع السلاح جنوباً تسير على مسارها، وأن الجيش يوسّع انتشاره قرب الحدود بالتوازي مع تشديد ضبط التهريب، خصوصاً على الحدود مع سوريا. كما كشف عن عمل مشترك مع فرنسا والسعودية لعقد مؤتمر مانحين لإعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد، مؤكداً أن لبنان “لن يفوّت فرصة التغيير في المنطقة”.
وفي إحاطتها أمام مجلس الأمن حول تنفيذ القرار 1701، أكدت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة جينين هينيس-بلاسخارت تحقيق تقدم ملحوظ منذ بدء تفاهم وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني الفائت، لكنها شددت على أن الوقت أصبح حاسماً وأن لبنان لم يعد يتحمل الظهور بمظهر المماطل في الحوار أو في حصر السلاح بيد الدولة. وأثنت على تقدم الجيش في معالجة مسألة السلاح جنوب الليطاني، لكنها ذكّرت بأن “الجيش وحده لا يمكنه تنفيذ القرار 1701”، داعية إلى مقاربة حكومية شاملة وإلى إصلاحات تتيح حشد الدعم الدولي. واعتبرت أن التغيرات الإقليمية تفتح فرصاً جديدة يجب على لبنان، كما على إسرائيل، اغتنامها، وأشارت إلى أن بقاء القوات الإسرائيلية شمال الخط الأزرق يشكل انتهاكاً لسيادة لبنان ولا يخدم استقرار الطرفين، مؤكدة أن الوقت المناسب للحوار هو الآن.
وفي موازاة ذلك، استقبل وزير الخارجية يوسف رجّي الممثلة الخاصة للاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان، مجدداً دعوته للاتحاد إلى الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها والإفراج عن الأسرى والسماح بعودة النازحين الجنوبيين، معتبراً أن هذه الانتهاكات تمسّ حقوق الإنسان. كما شدد على وجوب دعم عودة النازحين السوريين إلى بلدهم، ناقلاً أن هذا “حق ثابت” ويجب التعامل معه كقضية إنسانية. وتم البحث في تعزيز التعاون بين لبنان والاتحاد الأوروبي في مجال حقوق الإنسان وفي تفعيل اتفاقية الشراكة.
انتخابياً، ومع انتهاء مهلة تسجيل اللبنانيين غير المقيمين للاقتراع، هاجم رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع رئيس مجلس النواب نبيه بري، معتبراً أنه لا يملك الحق في تعطيل عمل المجلس أو منع النواب من ممارسة دورهم. ودعاه إلى عقد جلسة تشريعية لطرح مشروعي القانون المعجل واقتراح القانون المعجل المكرر المتعلقين بتعديل قانون الانتخابات. واستشهد جعجع بانتخابات نقابة المحامين كمثال على احترام المهل والديموقراطية، منتقداً فريق “الممانعة” الذي برأيه ينشغل بـ“الجدالات العقيمة” ويستند إلى “معادلات لا أساس لها”. وأعلن أن القوات تطالب بتعديل “نقطة صغيرة” في القانون، وهو حق دستوري يمكن عرضه على الهيئة العامة لتقرر فيه.
في المقابل، رأى النائب هاني قبيسي من كتلة التنمية والتحرير أن الانتخابات “توازي المقاومة” في أهميتها، معتبراً أن الاستحقاق المقبل هو مواجهة مع من يستهدف سلاح المقاومة ولا يكترث لتضحياتها. وأكد أن التنسيق بين الجيش والمقاومة “تفاهم كامل” يزعج البعض ويدفعهم إلى لعب دور “الجواسيس”. وسأل كيف يمكن لإسرائيل فرض شروطها السياسية، رابطاً ذلك بسياسات تهدف برأيه إلى إضعاف الدولة وإعاقة انطلاقة العهد الجديد الذي يركّز على حماية لبنان وترسيخ وقف إطلاق النار.
وعلى الصعيد الحكومي، أقر مجلس الوزراء غالبية بنود جدول أعماله البالغ أربعين بنداً، وعيّن أنطوان معكرون مديراً عاماً لمؤسسة مياه البقاع. وفي مستهل الجلسة، أشاد الرئيس عون بالمؤتمرات الدولية الأخيرة في لبنان، معتبراً أن نجاحها يبدد محاولات “تشويه صورة الدولة”. كما نوّه بإنجازات الوزراء رغم الضغوط، وتوقف عند استشهاد عنصرين من الجيش خلال ملاحقة تجار المخدرات في البقاع، مؤكداً استمرار مكافحة هذه الآفة وعدم التراجع أمامها.
وكشف عون عن دراسة مقدمة من مدير عام سكك الحديد تتضمن مشروع ربط بيروت بالبقاع وبطرابلس عبر شبكة قطارات، معتبراً أن المشروع يستحق المتابعة في ظل التحضيرات الإقليمية لممرات النقل الجديدة، وداعياً إلى تجهيز المرافئ والمطارات لمواكبة التطورات. أما رئيس الحكومة نواف سلام فأكد تجاوب لبنان مع الملاحظات السعودية بشأن رفع الحظر عن الصادرات، لافتاً إلى تركيب أجهزة سكانر في مرفأ بيروت ومَعبر المصنع، آملاً أن يشجع ذلك السعودية على اتخاذ القرار المنتظر.
بعد الجلسة، أوضح وزير الإعلام بول مرقص أن الحكومة وقفت دقيقة صمت على روحَي شهيدي الجيش والوزير السابق زاهر الخطيب، ونقل أن رئيس الجمهورية فضّل عدم إقامة عرض عسكري في ذكرى الاستقلال بسبب الظروف الاقتصادية. وأكد بحث ملف العلاقات اللبنانية–السورية، ولا سيما قضية المفقودين والمخفيين قسراً، مشيراً إلى “صفحة جديدة” في التنسيق بين البلدين. وناقش المجلس ملفات أخرى بينها أجهزة السكانر وأوضاع المعابر البرية وملف المفقودين وعدد من التعيينات، على أن تُستكمل البنود العالقة عبر لجان وزارية متخصصة.



