أخباركم – أخبارنا / د. وفيق ريحان
في العيد الثاني والثمانين لاستقلال لبنان عن سلطة الانتداب الفرنسي عام ١٩٤٣، حيث وضعت الصيغة الدستورية للبنان الجديد الطالع من الحرب العالمية الثانية، وبعد لقاءات واجتماعات ومؤتمرات عدة بين قوى وأحزاب ومكونات الطوائف اللبنانية الإسلامية والمسيحية، من أجل تحديد خياراتها السياسية والقانونية في ظل عقد اجتماعي جديد، اتفق على تسميته ميثاق العام ٤٣، وهو صيغة غير مكتوبة، تمثلت بشعارات الوحدة الوطنية، والتعايش السلمي بين جميع تلك المكونات، لا سيما بعدما عقد مؤتمر الساحل عام ١٩٣٦، ليرسم معالم لبنان الجديد في ظل صيغة عيش مشترك مستقرة وآمنة، وليعلنوا جميعًا بأن لبنان الجديد بجناحيه المسلم والمسيحي قادر على إرساء أسس الاستقرار والازدهار والتعاوُن المشترك بين الفريقين الاساسيين في المجتمع اللبناني. تلك الصيغة المستمدة من الشعارات التي اطلقها رؤساء الجمهورية والحكومات المتعاقبة ( بشارة الخوري ورياض الصلح)، لتشكل عقداً اجتماعياً شفهياً او عرفياً، يجمع ما بين العائلات اللبنانية في بوتقة واحدة اسمها لبنان الجديد، الذي اتخذ كحجج صفة الحياد الإيجابي في توجهاته السياسية وانتمائه العربي، وعلاقاته الدولية المتحررة من القيود المحورية والجاذبة للاستثمارات والمشاريع الإنمائية، وعلاقات مميزة مع سوريا والعرب جميعاً، بالإضافة الى العلاقة المميزة ايضاً مع فرنسا الراعية للتفاهمات الحاصلة في ذلك الوقت. ولقد شهد لبنان بعض التقدم والازدهار خلال الخمسينيات والسيتينيات من القرن الماضي، حتى لحظة اندلاع الحروب العربية مع الكيان الصهويني منذ العام ١٩٦٧ وانعكاساته السلبية على الأوضاع السياسية والاقتصادية العربية والمحلية في ذلك الوقت، لا سيما في دول المواجهة مع الكيان الصهيوني، ومنها لبنان وسوريا والأردن وجمهورية مصر العربية المتاخمة للحدود مع فلسطين المحتلة. وحيث جرى تهجير عدد كبير من الاخوة الفلسطينيين من قتل الصهاينة، ومن الأردن عام ١٩٧٣، ليستقبل لبنان قرابة (٥٠٠ الف فلسطيني) على ارضه، ومنحهم حق المواجهة العسكرية مع العدو الإسرائيلي بموجب اتفاق القاهرة عام ٦٩، من الأراضي اللبنانية الجنوبية، وساهم ذلك في تخلٍ جزئي عن السيادة اللبنانية لصالح الفلسطينيين المبعدين عن ارضهم، وانتشار ظاهرة الكفاح المسلح مدعومة من بعض الأحزاب اللبنانية المسماة بالاحزاب الوطنية، واشتعال معارك بين الفلسطينيين والجيش اللبناني قرب المدينة الرياضية وحيث أدى ذلك فيما بعد الى نشوب الحرب الاهلية عام ٧٥ بعد حادثة ١٢ نيسان وانقسام البلاد بين المسلمين والمسيحيين، وازدياد وتيرة النزوح الطائفي المتبادل بين الفريقين، وتفشي الاحداث الأمنية في مناطق مختلفة، وكان اخطرها في العاصمة بيروت ومحيطها الحيوي وتفاقم ظاهرة الفرز الطائفي بين المناطق، وازدياد الميول نحو “فدرلة” لبنان وتحوله الى كانتونات طائفية مسلحة، يتزعمها امراء الحرب بين الطوائف، وحيث أدى ذلك الى الاجتياح الإسرائيلي الى منطقة جنوب الليطاني عام ٧٨، ومن ثم إعادة الاجتياح عام ٨٢، ليصل الى العاصمة بيروت، ونشوء مقاومات مسلحة لبنانية وفلسطينية وتدخلات سورية وعربية وايرانية من خلف الستار، ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي حتى انسحابه عام ٢٠٠٠، وبعد اعتداءات متكررة عام ٩٣ و ٩٦، وتفجيرات امنية مختلفة. ولقد جرى الغاء اتفاق القاهرة عام ٨٧ ، بعدما رحل آلاف الفلسطينيين عن طريق البحر، وغالبيتهم من منظمة التحرير الفلسطينية بناء على اتفاق مع الرئيس ياسر عرفات في عهد الرئيس امين الجميل.
لبنان الوطن المستباح
لقد تم اتفاق الطائف عام ٨٩، برعاية أميركية وسعودية مع وصاية سورية على لبنان، وحيث استمر الوجود السوري في لبنان حتى العام ٢٠٠٥، اثر اغتيال رئيس مجلس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في ١٤ شباط من العام المذكور، وتحميل السوريين وحلفاؤهم المسؤولية الأساسية عن تدهور الأوضاع الأمنية في لبنان، وتفاقم ظاهرة الفساد المالي والإداري والتسلط الأمني والسياسي من قبل حلفاء سوريا على مواقع السلطة في لبنان، وحيث دخل على خط تبني المواجهة العسكرية مع العدو الإسرائيلي ما سمي بالحرس الثوري الإيراني ليملأ الفراغ السياسي والأمني بعد رحيل القوات السورية عن لبنان متخذاً من حزب الله العقائدي ركيزة سياسية وعسكرية وأمنية له في استكمال مقاومة المحتل الإسرائيلي من جهة، والسيطرة الشديدة على مفاصل السلطة في لبنان، ومدعوماً مادياً وعسكرياً وسياسياً من الجمهورية الإسلامية في ايران الى حد بعيد، بحيث أصبح من غير الممكن تعيين رئيس للجمهورية او رئيس لمجلس الوزراء دون موافقته المسبقة. وحيث تكونت منظومة إقليمية برعاية إيرانية امتدت من العراق وسوريا واليمن وصولاً الى لبنان، اعتمدت أسلوب الهيمنة السياسية والأمنية والعسكرية في تلك الدول، مما شكل حالة إقليمية معايدة للغرب ولدول الخليج العربي وللعدو الإسرائيلي، وجرت عدة معارك عسكرية مع هذا العدو عام ٢٠٠٦، وكانت لها تداعيات امنية واقتصادية بالغة الخطورة في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية، انتهت باتفاق امني برعاية دولية صدر على اثرها القرار الاممي ١٧٠١، لينعم الجنوب بحالة من الاستقرار وإعادة الاعمار والازدهار حتى اندلاع الحرب الأخيرة في ٧ ت١ ٢٠٢٣ في فلسطين المحتلة فيما سمي بمعركة “طوفان الأقصى”، والتحق بها حزب الله في ٨ ت١، أي في اليوم التالي، كعامل اسناد ومؤازرة للفصائل الفلسطينية الإسلامية (حماس والجهاد الإسلامي وسواها) ليدخل لبنان باسره في اتون حرب طاحنة وغير متكافئة مع العدو الإسرائيلي مدعوماً من دول حلف “الناتو” الذي ارسل اساطيله نحو شواطئ غزة. وحيث تكبد الشعبان اللبناني والفلسطيني اشد الخسائر المادية والبشرية جراء الممارسات الهمجية للعدو الصهيوني وحروب الإبادة والتدمير والتهجير على الشعبين اللبناني والفلسطيني، معتبراً إياها حرباً دفاعية وجودية، وباساليب إجرامية فاقت كل التصورات في مخالفة القانون الدولي الإنساني والشرائع الدولية الحامية لحقوق الانسان ولاتفاقيات “جنيف” الرابعة المتصلة بحقوق المدنيين اثناء الحروب، وضاربين بعرض الحائط كل الاحكام والقرارات الصادرة عن محكمة العدل الدولية، ومحكمة الجنايات الدولية وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الامن الدولي الداعية الى وقف العمليات الحربية والابادة الجماعية على قطاع غزة، رغم صدور القرارات التي تدين بشدة تلك الممارسات عن اكثر من ١٦٠ دولة في العالم المتحضر، لتدخل البشرية في شريعة الغاب بعيداً عن سياسة السلم العالمية واحترام حقوق الانسان على اكثر من صعيد، وحيث جرى استنكار تلك الهمجية المتوحشة من قبل شعوب العالم باسره، حتى في دول حلف الناتو والولايات المتحدة الأميركية ذاتها.
الاتفاق الأمني ومصير القرار ١٧٠١
في ٢٧ ت٢ من العام ٢٠٢٤، جرى الاتفاق بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي على وقف العمليات الحربية بعد حرب تدميرية دامت ٦٦ يوماً، سقط خلالها الآلاف من الشهداء اللبنانيين، وهجر اكثر من مليون ومئتي الف مواطناً من منازلهم، وذلك برعاية أميركية وتدخل فرنسي لوقف الحرب على لبنان، الا انه ومنذ ذلك الوقت، لم يلتزم الجانب الإسرائيلي بوقف اعماله الحربية، كما عمد الى احتلال ٥ مواقع حدودية داخل الأراضي اللبنانية وما زالت اعتداءاته مستمرة حتى الساعة. وفي ذلك خرق واضح للقرار الدولي ١٧٠١ من قبله، وتجاوز ايضاً للاتفاق الأمني الأخير بشكل سافر وخطير، وحيث فشلت الدول المشرفة على هذا الاتفاق في وضع حد لتلك الاعتداءات بما في ذلك قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب الليطاني، مما وضع لبنان امام تحديات صعبة وخطيرة لا يمكن مواجهتها بالطرق العسكرية. وانما عبر التواصل مع أصدقاء لبنان في الخارج، وبشكل خاص مع مصر والسعودية وقطر وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، من اجل وضع حد للانتهاكات الأمنية الإسرائيلية، وحيث ابدى رئيس جمهورية لبنان استعداد لبنان للانخراط مجدداً في أية مفاوضات مستقبلية بصورة مباشرة او غير مباشرة مع دولة الكيان العنصري لسحب الذرائع من يد العدو، والمباشرة بإعادة اعمار ما تهدم وعودة النازحين الى قراهم لاسيما الى القرى الحدودية المدمرة، واستعادة الاسرى وفرض الانسحاب الإسرائيلي الى ما وراء الخط الأزرق، وحيث يستدعي ذلك التفاهم الداخلي على إتمام صفقة الاتفاق الأمني، وسط سلطة الدولة على كامل تراب الوطن والعمل على حصرية السلاح بيد الدولة والامساك بقرار الحرب والسلم وفقاً للدستور، تمهيداً لاعادة الحياة الى ربوع لبنان وخلق جو من الاستقرار الداخلي، ومنع التدخلات الخارجية التي تتجاوز حدود السيادة مع لبنان، وعقد اللقاءات والمؤتمرات مع الدول الصديقة من اجل إعادة الاعمار وتقوية الجيش اللبناني والقوى الأمنية، والتوجه نحو أوسع العلاقات مع الخارج، وبوجه خاص مع الاشقاء العرب، وإعادة ربط لبنان بحاضنته العربية وتعزيز الثقة الدولية بالدولة اللبنانية في جو من التعاون الإيجابي من اجل انقاذ لبنان من ازماته الخانقة، والتمهيد لاجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها الدستورية، وانتصار لبنان الموحد على سياسة الدويلة ضمن الدولة التي تقوض سيادتها وتنزع عنها استقلاليتها خدمة لمصالح الآخرين على الأرض اللبنانية، وفق معادلة قوة المنطق في مقابل منطق القوة وفق توجهات رئاسة الجمهورية الراهنة رحمة باللبنانيين جميعاً وتكريساً لسيادة الدولة على كامل أراضيها في ذكرى الاستقلال ونسج العلاقات الندبة مع الخارج من اجل مصلحة الوطن فوق أية اعتبارات أخرى.



