أخباركم – أخبارنا
تقرير لبنان الميداني
لم تهتزّ الضاحية الجنوبية بانفجار شقة، بل بسقوط حقبة كاملة. مع مقتل هيثم علي الطبطبائي، المعروف بـ«أبو علي»، لم يُقتل رجل فحسب، بل تم تمزيق الستار الأكثر سماكة في بنية حزب الله. الرجل الثاني في كيان مبني على السرية المطلقة أصبح في قلب حدث يكشف كل ما حاول الحزب بناءه على مدى عقود.
الضربة لم تكن مجرد اغتيال، بل عملية إضاءة: إسرائيل كشفت أن الحزب كان مراقبًا من الداخل، وأن قياداته لم تعد محمية كما كان يُعتقد. مسارات الحركة، خطوط الاتصال، مواقع القادة، وأسماء كانت مخفية أصبحت مكشوفة، ما أحدث زلزالًا داخل الغرف المغلقة، وأثار شكوكًا متبادلة بين دوائر الأمن، وأجبر الحزب على إعادة رسم هيكله الداخلي.
في مواجهة هذا الاختراق، يواجه الحزب معضلة استراتيجية: الرد السريع قد يكشف المزيد من خطوط الحركة، والصمت قد يظهر ضعفه أمام جمهوره. السيناريو الأكثر احتمالًا هو رد محدود ودقيق، رسالة مفادها أن الحزب لم يتخل عن الردع، دون المخاطرة بكشف كامل للبنية العسكرية. أما الرد الواسع، فهو الأخطر، لأنه سيقود إلى مواجهة مفتوحة مع لبنان بأكمله، ويعرّض قواعده وقياداته للخطر.
إسرائيل، بعد العملية، ليست منتصرة عسكريًا فقط، بل مسيطرة استخباراتيًا: تعرف الآن كيف يفكر الحزب حين يُصدَم، وكيف يعيد ترتيب نفسه حين يُخترَق. في المقابل، لبنان يقف في منتصف العاصفة بصمت حذر، يدرك هشاشة الأمن وبنيته الهشة، ويكتشف أن الهيبة التي ادّعاها الحزب لم تعد حقيقة.
اليوم، لم يُقتل رجل فحسب، بل انتهى زمن كان فيه الحزب سيّد الظلال. الضوء الذي أُشعل كشف ضعف المشروع الإقليمي الذي يقوده، وأكد أن حماية القائد لم تعد مضمونة، وأن الردع لم يعد مطلقًا. كل من يعيش في الظل، حين يُضاء عليه الضوء، لا يملك إلا أن يغمض عينيه ويصمت.
فقد، استهدفت غارة إسرائيلية بعد ظهر اليوم شقة سكنية في شارع العريض – حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت، في ضربة وصفها الجيش الإسرائيلي بالدقيقة، مستهدفة أحد العناصر المركزية في حزب الله. وأعلنت القناة 14 الإسرائيلية أن هدف الاغتيال هو “الرقم 2” في الحزب، هيثم علي الطبطبائي المعروف بـ«أبو علي»، رئيس أركان حزب الله، الذي قاد جهود تعزيز القوة والتسلح داخل التنظيم. وأفاد مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة العامة أن الحصيلة النهائية للغارة بلغت خمسة شهداء وثمانية وعشرين جريحًا، فيما خلفت الغارة أضرارًا كبيرة في السيارات والمباني المحيطة.
من جهته، أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بناء على توصية وزير الدفاع ورئيس الأركان، أمره بتنفيذ الهجوم، فيما أكد الإعلام العبري أن العملية جرى تنسيقها مع الأميركيين. ويُعد طبطبائي بعد الأمين العام نعيم قاسم الرجل الثاني في هرم القيادة العسكرية للحزب، وتولى فعليًا قيادة الجوانب العسكرية بعد سلسلة اغتيالات استهدفت مسؤولين بارزين، وقاد وحدات النخبة خلال السنوات الأخيرة، وشارك مع محمد حيدر في إعادة التأهيل وتعزيز القدرات العسكرية للحزب.
هيثم الطبطبائي، المولود عام 1968 لأب إيراني وأم لبنانية، معروف بخبرته العملياتية الطويلة داخل قوات النخبة ووحدات الرضوان، وقد برز اسمه في العمليات الإقليمية، من سوريا إلى اليمن. في سوريا، أشرف على وحدات نخبة عملت في ريف دمشق والقلمون، ثم في الجنوب السوري، حيث نسّق مجموعات مشتركة مع الحرس الثوري الإيراني وشارك في تطوير عمليات هجينة تجمع بين الاستطلاع والطائرات المسيّرة والضربات الدقيقة. أما في اليمن، فقد ساهم في نقل خبرات حزب الله إلى الحوثيين تدريبًا وتسليحًا ودعمًا لوجستيًا، ضمن استراتيجية إيرانية لتوسيع شبكات الوكلاء في الإقليم. بعد 2024، باتت إسرائيل تعتبره محورًا لإعادة بناء البنية الهجومية لوحدات الرضوان واستعادة الجهوزية على الجبهة الجنوبية عقب موجة الاغتيالات، فيما يظل مصيره غامضًا حتى الآن.
الطبطبائي مدرج على لوائح العقوبات الأميركية منذ 26 أكتوبر 2016، وصُنّف ضمن الإرهابيين العالميين بموجب الأمر التنفيذي 13224، ويصل مبلغ المكافأة لمن يدلي بمعلومات عنه إلى 5 ملايين دولار. ويظهر في الإعلام الإسرائيلي والعربي على رأس الجبهة الجنوبية والوحدات الهجومية، بينما يوصف محمد حيدر بأنه رئيس الأركان، بعد أن كان فؤاد شكر يتولى هذا المنصب قبل اغتياله في يوليو 2024. وفق مصادر أمنية لبنانية، تولى الطبطبائي قيادة أركان قوات حزب الله خلفًا لفؤاد شكر، وهو من آخر القادة الذين يمتلكون معرفة تفصيلية بالبنية العسكرية وملفات الحزب الخارجية.
الغارة أطلقت6 صواريخ على المبنى المستهدف، ويُحتمل أنها صواريخ GBU‑39 دقيقة التوجيه، بكمية متفجرات تصل إلى 36 رطلًا تقريبًا من مادة AFX‑757، قادرة على اختراق نحو ستة أقدام من الخرسانة المسلحة، وتعمل عبر ملاحة بالقصور الذاتي ونظام GPS مع مقاومة التشويش. وانتشرت صور من موقع الغارة تظهر تنفيذ العملية بستة صواريخ، فيما فرض الجيش اللبناني طوقًا أمنيًا حول المكان، وأطلقت عيارات نارية كثيفة لإبعاد المواطنين وتسهيل مرور سيارات الإسعاف.
في المقابل، أكّد نائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله محمود قماطي أن شخصية جهادية تم استهدافها، مشددًا على التنسيق الكامل مع الدولة والجيش اللبناني، واصفًا العدوان بأنه خرق للخط الأحمر، وأن الرد على هذا العدوان هو من صلاحية المقاومة وحدها. في حين نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين قولهم إن الجيش يستعد لاحتمال ردّ من حزب الله، الذي قد يقود إلى أيام من القتال، مع استمرار إسرائيل في سياسة فرض الحد الأقصى لمنع أي تهديد على الشمال ودولة إسرائيل.
وفي سياق متصل، استهدفت طائرات مسيرة إسرائيلية بعد ظهر اليوم أحد رعاة الماشية السوريين عند أطراف بلدة رميش الحدودية في قضاء بنت جبيل، فيما نفذت غارات وهمية على البقاع الغربي وسفوح جبل الشيخ الغربية. كما شنت مسيرة إسرائيلية غارة جوية على سيارة في بلدة عيتا الشعب، ما أدى إلى استشهاد المواطن محمد صالح، أسير محرر، أثناء قيامه بجلب معدات لترميم منزله، حسبما أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة. وشهدت مناطق شرق صور تحليقًا مكثفًا للطيران المسير، حتى الأجواء الجنوبية للقطاع الغربي والهرمل، كما ألقيت قنبلة صوتية على بلدة العديسة.
تأتي هذه الضربات في وقت يدخل فيه اتفاق ترتيبات وقف العمليات العدائية عامه الأول، لتعيد التوتر إلى الضاحية الجنوبية، وتكشف عن هشاشة التفاهمات على الأرض، حيث يبرز من جديد السباق الاستخباراتي بين إسرائيل وحزب الله على الأرض اللبنانية. ومع أن تسليم السلاح للجيش اللبناني كان ليشكّل غنى للحزب عبر تخفيف العبء الأمني عنه، فإن الميدان اليوم يفرض وقائع جديدة، إذ تُكتب المعادلات بالنار قبل البيانات، وسط ترقب شديد لأي رد من الحزب على هذه الضربة الدقيقة التي استهدفت أحد أبرز قادته العسكريين.
تظل صورة هيثم علي الطبطبائي، المعروف بـ«أبو علي»، حتى اللحظة غير واضحة، فيما يمثل استهدافه استمرار السباق الاستخباراتي لشل ما تبقى من القيادة العسكرية للحزب، ومع ذلك يظل أبرز القادة الذين يملكون المعرفة الشاملة بالبنية العسكرية وملفات الحزب الخارجية، ما يجعل أي محاولة لإزاحته من المشهد العسكري مسألة ذات تأثير إستراتيجي كبير على المدى القصير والمتوسط داخل لبنان وخارجه.
تُضاف هذه التطورات إلى سلسلة الضربات الإسرائيلية المتصاعدة منذ الحرب الأخيرة، والتي استهدفت قيادة حزب الله ومقارّه، بهدف منع إعادة بناء قدراته العسكرية وتهديد الأمن الإسرائيلي، وهو ما تؤكده تصريحات نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، الذين شددا على الاستمرار في سياسة «فرض الحد الأقصى» في لبنان وكل منطقة يُرى فيها أي تهديد.
تظل المعادلة على الحدود الجنوبية للبلاد معقدة، فبينما تحاول إسرائيل تحييد القيادات العسكرية، يبقى السؤال الأكبر حول قدرة الجيش اللبناني والدولة على ضبط أي تصعيد، وتحويل اتفاق وقف العمليات العدائية إلى حصن يمنع الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد تترك آثارها على كل لبنان.



