أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
في خضم تصاعد التوترات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية وتصاعد المخاطر الأمنية والسياسية في الداخل، يبدو لبنان مجدداً أمام اختبار حاسم لقدرة الدولة على فرض سيادتها وحماية شعبها.
إسرائيل، التي أنهت مرحلة التهديد والوعيد، شرعت في تنفيذ خططها العملية لتوسيع ضغوطها على لبنان وحزب الله، مستهدفة المواقع الاستراتيجية في الضاحية الجنوبية واغتيال المسؤول العسكري البارز هيثم طبطبائي، في رسالة واضحة بأن التسامح مع السلاح غير الشرعي في الدولة اللبنانية سيؤدي حتماً إلى تداعيات ميدانية وعسكرية غير محسوبة.
في الوقت نفسه، ما زالت بيروت الرسمية عاجزة عن اتخاذ أي موقف عملي أو استراتيجي لحماية الأراضي اللبنانية ومواطنيها، فيما تسعى جهات دبلوماسية عربية ودولية، وعلى رأسها مصر وفرنسا، لاحتواء التصعيد قبل فوات الأوان، في حين يظل الأميركيون يراقبون بحذر دون أن يفرضوا رادعاً على تل أبيب.
في هذا المشهد الفوضوي، تتكشف أزمة الدولة اللبنانية بشكل جلي؛ إذ يبرز الحديث الأخير للشيخ علي الخطيب كمثال صارخ على الفراغ المؤسساتي. الخطيب لا يكتفي بتسليط الضوء على انعدام الدولة، بل يعلن بوضوح أن المقاومة والمجتمع المحلي أصبحوا البديل عن الدولة الغائبة، بينما تؤكد الحاجة الملحّة لوجود سلطة فعلية تحمي السيادة وتخدم المواطنين.
هذه التصريحات، تحمل نقداً لاذعاً للواقع السياسي، وتبرز تعدي الحزب على مؤسسات الدولة اللبنانية التي فشلت في إدارة الملف العسكري والسياسي، وترك اللبنانيين وحدهم لتحمل نتائج الفراغ والإهمال. إنها دعوة غير مباشرة للسلطة لتجاوز الشعارات، وبدء بناء دولة فعلية قادرة على حماية شعبها وفرض هيبتها على الداخل والخارج على حد سواء.
إذا دخلت إسرائيل مرحلة التهديد والوعيد، ودخلت مرحلة التنفيذ العملي للتصعيد الذي كانت تلوّح به منذ أسابيع، معتبرة أن حزب الله يعيد بناء قدراته العسكرية، وأن لبنان الرسمي لم يردع الحزب ولم يُلزمه بتفكيك هيكليته العسكرية كما جاء في اتفاق وقف النار. تل أبيب أسقطت باستهدافها الضاحية الجنوبية لبيروت للمرة الأولى منذ أشهر، واغتالت رئيس أركان حزب الله هيثم طبطبائي، ما أعاد تساؤل لبنان الرسمي والعالمي حول قدرة الدولة على حماية أراضيها ومواطنيها في ظل غياب أي مؤشر واضح على اتخاذ إجراءات عملية لمنع التصعيد.
في هذه الأجواء، تصل الرسائل الدبلوماسية العربية والدولية، على رأسها المصرية والفرنسية، إلى بيروت، في محاولة لتجنب الأسوأ. وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يحط في بيروت اليوم لاستكمال المسعى المصري الذي بدأه رئيس الاستخبارات المصرية قبل أيام، بينما شددت فرنسا على أهمية آلية مراقبة وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان.
ومع ذلك، ترى مصادر سياسية أن أي طرح دون تسليم السلاح بالكامل سيكون غير قادر على لجم إسرائيل أو إقناع واشنطن، لا سيما أن الأخيرة لم تعد تمانع تنفيذ ضربات إسرائيلية في العاصمة اللبنانية بسبب عدم نزع سلاح الحزب.
في موازاة ذلك، تواصل إسرائيل خطواتها الاستعدادية للحرب، فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أن رئيس الأركان تفقد منطقة الفرقة 210 خلال تمرين مفاجئ للتعامل مع أي حادث طارئ، وأوعز بالحفاظ على الجاهزية العملياتية على الحدود اللبنانية في ضوء عملية القضاء على قائد أركان حزب الله. كما أطلقت إسرائيل مناورات على مستوى قيادة الأركان، وأكدت إذاعة الجيش تعزيز منظومة الدفاع الجوي شمالًا، فيما تم فتح الملاجئ في بلدات على الحدود بسبب التوتر إثر اغتيال طبطبائي. وأوضح مصدر أمني إسرائيلي أن جولة الإضعاف لحزب الله يجب أن تُنجز قبل نهاية العام، مشيرًا إلى أن الحكومة اللبنانية لن تقوم بهذه المهمة، وأن إمكانية إضعاف الحزب بشكل دراماتيكي قد تتحقق بقتال لأيام فقط.
وفي الوقت نفسه، أشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى أن الجيش يمتلك خططًا غير متناسبة للرد حال إطلاق صواريخ من لبنان، ونقل رسالة لحزب الله وحكومة لبنان مفادها أن أي إطلاق سيؤدي إلى رد غير متناسب، في حين عزز سلاح الجو الإسرائيلي دفاعاته الجوية ورفع مستوى التأهب في الشمال تحسبًا لأي رد من الحزب أو من تنظيمات موالية له. ويستمر حزب الله في التمسك بسلاحه، معتبرًا تسليمه خيار التفاوض الذي يصرّ عليه رئيس الجمهورية رضا أمريكي، فيما يتكتّم الحزب حول شكل رده على اغتيال طبطبائي. وعشية كلمة مرتقبة للأمين العام الشيخ نعيم قاسم في 27 تشرين الجاري، شُيع الطبطبائي في الضاحية الجنوبية، في وقت شدد رئيس المجلس التنفيذي للحزب الشيخ علي دعموش على أن إسرائيل قلقة من أي رد محتمل، وأن من واجب الدولة مواجهة العدوان بكل الوسائل وحماية مواطنيها وسيادتها ورفض الإملاءات الأميركية والإسرائيلية.
داخل حزب الله، أفادت مصادر أن هناك رأيين بين من يفضل الرد ومن يفضل الامتناع، إلا أن القيادة تميل لاعتماد أقصى أشكال الدبلوماسية في المرحلة الراهنة، وهو ما عكسه بيان النعي الذي أصدره الحزب الأحد. في المقابل، يستعجل الفريق السيادي الدولة حصر السلاح كسبيل وحيد لتفادي الحرب، فيما حذر رئيس حزب القوات سمير جعجع ورئيس تكتل الجمهورية القوية النائب أنطوان حبشي من أن التسامح بالسيادة سيجر لبنان إلى المزيد من الدمار، مؤكدين أن خرق إسرائيل لحزب الله يشكل خرقًا على مستوى كل لبنان، وأن الاستقلال ليس حقيقيًا في ظل هذه التساهلات.
على الصعيد الدولي، عقد وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار اجتماعًا مع نظيره الفرنسي لوران نونييز في باريس بحضور السفير اللبناني ربيع الشاعر، حيث شكر الحجار فرنسا على وقوفها إلى جانب لبنان، مشيدًا بدورها في لجنة الميكانيزم لتثبيت الاستقرار في جنوب لبنان، ودعم انسحاب القوات الأجنبية ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة. كما بحث الوزيران تعزيز العلاقات الثنائية، خصوصًا في المجالات الأمنية ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وضبط الحدود ومواجهة الهجرة غير الشرعية، مؤكدين عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وأهمية دعم المؤسسات الأمنية اللبنانية، ولا سيما قوى الأمن الداخلي، لتعزيز قدراتها ومواكبة التحديات الراهنة في حفظ الأمن والاستقرار. كما تطرق الاجتماع إلى أوضاع الجالية اللبنانية في فرنسا وسبل تسهيل شؤون المقيمين والطلاب اللبنانيين.
وفي ظل هذه التوترات، أكّد السفير السابق في الفاتيكان خليل كرم أن زيارة البابا إلى لبنان قائمة رغم الظروف الأمنية، وأن البابا يركز على السلام وسيطرح موضوع الحياد كجزء من زيارته، ما يعكس حرص المجتمع الدولي على عدم تفاقم الأوضاع في لبنان والمنطقة.
وفي المقابل، يبرز موقف نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، العلامة الشيخ علي الخطيب، الذي شدد على التمسك ببناء دولة قادرة على حماية المواطنين وتوفير الاستقرار، منتقدًا الواقع السياسي والمؤسساتي اللبناني، وقال: لسنا أمام دولة، بل أمام قبائل وطوائف. الدولة غائبة، ونحن أصبحنا البديل عنها لأنها ليست موجودة، ولكننا نريدها أن تكون موجودة. وأضاف أن أبناء الجنوب قدموا التضحيات دفاعًا عن كل لبنان لا من أجل أهداف طائفية، وأن المطلوب دولة فعلية، لا شعارات، قادرة على حماية الحدود وخدمة المواطنين وتحقيق السيادة، مؤكداً أن اللبنانيين لا يمكن أن يتحملوا وحدهم كلفة الدفاع عن الوطن في ظل تغيّب الدولة عن مسؤولياتها الأساسية. وأكد الخطيب أن الشهداء هم الذين عبدوا طريق الاستقلال الحقيقي عامَي 2000 و2006، وأن صمود المواطنين منع العدو من احتلال الأرض مجددًا رغم الدعم الدولي الكبير، مؤكدًا أن استمرار الصمود اليوم هو الرسالة الأقوى على الحاجة لبناء دولة فعلية تحمي شعبها وتفرض هيبتها.



