أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي
تقف غزة في قلب معادلة جديدة تتشكل ببطء، لكنها تحمل في طيّاتها أخطر التحولات منذ اندلاع الحرب. فواشنطن تضغط خلف الأبواب المغلقة لدفع تل أبيب نحو الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار، معتبرة أن استمرار الوضع الراهن لم يعد قابلًا للاستدامة سياسيًا ولا إنسانيًا، بينما تتعامل القيادة الإسرائيلية مع هذا الضغط ببرود محسوب، مدفوعة بهاجس “نزع سلاح حماس” وانعدام الثقة بالقوة الدولية المقترحة لإدارة المرحلة المقبلة.
المرحلة الثانية من الاتفاق، التي يُفترض أن تقود إلى إعادة بناء “غزة الجديدة” ووصول قوة متعددة الجنسيات، باتت رهينة حسابات متشابكة: رفض إسرائيلي للمضي قدمًا، تردّد دولي في إرسال قوات دون بروتوكول واضح، ومباحثات مكثفة بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء لصياغة تصور يضمن حماية السكان ومنع أي احتكاك قد يفتح أبوابًا جديدة للصراع.
وفي الضفة الغربية، يتصاعد عنف المستوطنين إلى مستويات غير مسبوقة، ما دفع دولًا أوروبية مركزية إلى توجيه تحذيرات قاسية لإسرائيل وربط الاستقرار المالي للسلطة الفلسطينية بحماية المدنيين. هذا الضغط يضع نتنياهو أمام معادلة أكثر هشاشة: تهدئة مطلوبة دوليًا، وتصعيد ميداني يخدم مصالحه السياسية الداخلية.
وسط هذه التفاعلات، تبدو المنطقة متّجهة نحو مرحلة انتقالية غير محسومة المعالم، تتداخل فيها مشاريع الإعمار مع تهديدات العودة إلى القتال، وحسابات الاحتلال مع حاجة الفلسطينيين إلى استعادة الأمن والحياة.
إذا تتكثف الضغوط الأمريكية على الحكومة الإسرائيلية لدفعها نحو الانتقال إلى المرحلة التالية من العملية في قطاع غزة، والبدء بإعادة الإعمار وفق ما تنص عليه بنود الاتفاق، رغم التعقيدات الأمنية والسياسية التي تعترض هذا المسار. وبحسب القناة 12 الإسرائيلية، يجري هذا الضغط خلف الكواليس، بينما يبحث المستوى السياسي والعسكري في إسرائيل كيفية التعاطي مع المطلب الأميركي في ظل غياب تصور واضح للمرحلة المقبلة، ولا سيما ما يتصل بنزع سلاح حركة حماس وتشكيل قوة دولية قادرة على العمل داخل القطاع.
وفي هذا السياق، يستعد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لعقد نقاش أمني معمق خلال الأيام المقبلة لبحث جاهزية الجيش في حال تطلب الأمر العودة إلى القتال، فيما يعمل جيش الاحتلال على إعداد خطط عملياتية ستُعرض على القيادة السياسية خلال هذا النقاش. ورغم الحديث عن المرحلة الثانية من الاتفاق، يجري الجيش عمليات ميدانية في منطقة رفح والمناطق الخاضعة لسيطرته، تشمل إزالة الأنقاض وسد الأنفاق والدفع بمزيد من الآليات الهندسية، إلى جانب تهيئة بنى تحتية أولية تشمل المياه والكهرباء، استعدادًا لإقامة مدن خيام كجزء من مشروع “غزة الجديدة” الذي من المفترض أن يُقام شرق الخط الأصفر على الجانب الإسرائيلي. إلا أن هذه التحركات، وفق مصادر إسرائيلية، لا تعني أن تل أبيب مستعدة للانتقال إلى المرحلة الثانية، إذ تربط ذلك بعودة الأسيرين المتبقّيين وبموافقة حماس على نزع سلاحها، إضافة إلى غياب قوة دولية جاهزة للعمل في غزة القديمة أو لمواجهة حماس.
في المقابل، تكشف مصادر أن حماس والفصائل الفلسطينية مجتمعة في القاهرة منذ الرابع والعشرين من الشهر الماضي تخوض مشاورات مكثفة حول البروتوكول المنظم لعمل “قوة الاستقرار الدولية” التي تشكل جوهر المرحلة الثانية من الاتفاق، وتستند إلى خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المكونة من عشرين نقطة، والتي تحولت إلى قرار أميركي في مجلس الأمن (2803). وتوضح المصادر أن الفصائل تناقش مع الوسطاء آلية عمل القوة وسُبل الفصل بين السكان الفلسطينيين وقوات الاحتلال، بحيث يجري التعامل بين الفلسطينيين والقوة الدولية عبر جهاز الشرطة الفلسطينية الذي يُعاد تشكيله وتدريبه في مصر والأردن.
وتؤكد المصادر أن تأخر صدور البروتوكول الرسمي يعطل استكمال الاتفاق ووصول القوة الدولية إلى غزة، في ظل غياب توافق بين الوسطاء والدول المرشحة لإرسال جنودها بشأن حدود عمل القوة وطبيعة تدخلها، إضافة إلى عدم رغبة الدول العربية بالانضمام إلى قوة قد تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع الفلسطينيين. كما تشير إلى أن الفصائل الفلسطينية تبدي مخاوف واضحة من احتمال احتكاك القوة الدولية مع السكان، وتسعى إلى صياغة تضمن حماية المدنيين وتحويل القوة إلى عنصر فصل وردع يمنع صدامات جديدة، بينما تستمر إسرائيل في المماطلة في تنفيذ التزامات المرحلة الأولى وترفض إشراك دول عربية وإسلامية في القوة المقترحة، وخصوصًا قطر وتركيا.
وفي موازاة التعقيد في الملف الغزّي، تزداد الأوضاع في الضفة الغربية توترًا مع تصاعد عنف المستوطنين إلى مستويات غير مسبوقة. فقد أدانت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا الهجمات المتزايدة ضد المدنيين الفلسطينيين، مؤكدين في بيان مشترك أن هذه الاعتداءات تقوّض الجهود الدولية الرامية إلى ضمان الأمن والاستقرار. وأشار وزراء خارجية الدول الأربع إلى أن الأمم المتحدة سجلت 264 هجومًا في شهر أكتوبر وحده، وهو العدد الأكبر منذ بدء التوثيق عام 2006، داعين الحكومة الإسرائيلية إلى محاسبة المهاجمين ووقف سياسات الضم والإجراءات الاستيطانية المخالفة للقانون الدولي. كما طالب الوزراء إسرائيل بتحويل عائدات الضرائب الفلسطينية المحتجزة، محذرين من أن الانهيار المالي للسلطة الفلسطينية سيضر باستقرار المنطقة وبأمن إسرائيل نفسها.
وفي الداخل الفلسطيني، أكد الرئيس محمود عباس أن انعقاد مؤتمر الشبيبة الفتحاوية في المحافظات الشمالية يمثل محطة وطنية مهمة تجدد الأمل بالمستقبل، مشددًا خلال كلمته في المؤتمر الذي عقد في مقر الرئاسة تحت شعار “من القدس إلى غزة.. صامدون على أرضنا باقون على عهدنا” أن القضية الفلسطينية تمر بمنعطف خطير في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على الضفة والقدس، والحصار والدمار الواسع في غزة. ووجه عباس التحية للشهداء والجرحى والأسرى، مؤكدًا أن الدولة الفلسطينية ستقوم رغم التحديات، ومشيرًا إلى الدور التاريخي والمحوري للشباب الفلسطيني عبر مختلف المراحل الوطنية، من انتفاضة الحجارة حتى المواجهة الراهنة مع الاحتلال. كما شدد على أهمية بناء جيل قادر على تصويب المسار وتعزيز المشاركة الديمقراطية، معلنًا استكمال انتخابات الشبيبة في المحافظات الجنوبية قريبًا، وأن عددًا من المشاركين في المؤتمر سيكونون جزءًا من مؤتمر فتح العام الثامن.
وتوقف عباس مطولًا عند الدمار الهائل الذي لحق بقطاع غزة، معتبرًا أن ما جرى يمثل “نكبة جديدة”، مجددًا التأكيد على أن إعادة الإعمار ستكون أولوية للقيادة الفلسطينية، وأن غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية، ولا دولة بلا غزة ولا دولة في غزة وحدها ولا دولة دون القدس عاصمة أبدية. كما أوضح أن موقف القيادة من خطة ترامب جاء بهدف وقف الحرب وضمان إدخال المساعدات ومنع المخططات التهجيرية، مؤكدًا أن أي إدارة للقطاع يجب أن تكون تحت مظلة الحكومة الفلسطينية الشرعية.
وفي سياق اقتصادي–أمني، صادق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على إعادة فتح معبر الكرامة بين الضفة الغربية والأردن أمام حركة البضائع بعد شهرين من إغلاقه عقب عمليتي إطلاق النار اللتين نفذهما الشهيدان عبد المطلب القيسي وماهر الجازي في سبتمبر الماضي. وبحسب إذاعة جيش الاحتلال، سيعاد فتح المعبر تدريجيًا لاستقبال السلع غير الخاضعة للتفتيش الجمركي، مع الحفاظ على إجراءات أمنية مشددة. ويُعد المعبر الشريان التجاري الوحيد للضفة الغربية نحو العالم، وتسبب إغلاقه وتقييد حركة الشاحنات في خفض عددها من 500 شاحنة يوميًا إلى 250 فقط، ما ألحق ضررًا بالغًا بالصناعات الفلسطينية والقطاع الزراعي والأمن الغذائي، وفق وزارة الاقتصاد الفلسطينية التي حذرت سابقًا من تداعيات استمرار إغلاقه.



