أخباركم – أخبارنا
تتصاعد في لبنان، ومعها في العواصم الغربية، الأسئلة حول مصير “جمعية القرض الحسن” المرتبطة بحزب الله: هل يمكن تفكيك هذه المؤسسة التي تحوّلت إلى ما يشبه “البنك الموازي” لجمهور الحزب؟ وما الذي سيحدث لبيئته الشعبية والاقتصاد اللبناني إذا جرى ضرب هذا الشريان المالي الحيوي؟
من الناحية الشكلية، يعمل “القرض الحسن” كجمعية خيرية مسجّلة، لكنه عمليًا يقوم بوظائف مصرفية كاملة تقريبًا، من إقراض وتسييل ودائع وضمانات بالذهب، خارج رقابة المصرف المركزي والنظام المصرفي الرسمي. هذا الوضع جعله يستمر رغم العقوبات الأميركية والاستهداف الإعلامي والأمني، لكنه وضعه أيضًا في قلب المواجهة بين الضغوط الدولية وواقع “الاقتصاد الموازي” في لبنان.
خلال الأشهر الماضية، شدّد مصرف لبنان القيود، فمنع المصارف والمؤسسات المالية المرخّصة من التعامل مع القرض الحسن، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لعزل المؤسسة ماليًا تمهيدًا لتجفيف جزء من موارد حزب الله. بالتوازي، تتحدث تقارير بحثية عن أن الجمعية تشكل ركيزة أساسية في تحويل الأموال وتمويل شبكات الدعم الاجتماعي للحزب، ما يجعل أي استهداف مباشر لها بمثابة ضربة عميقة في صميم بنيته المالية والاجتماعية.
في بيئة حزب الله، لا يُنظر إلى القرض الحسن كبنية مالية فقط، بل كشبكة أمان اجتماعي أنقذت آلاف العائلات بعد انهيار المصارف اللبنانية واحتجاز الودائع منذ 2019. كثيرون لجؤوا إليه للحصول على قروض صغيرة أو لتسييل مدخراتهم بالذهب، في وقت عجزت فيه البنوك التقليدية عن تلبية أبسط المتطلبات. لذلك، فإن أي تفكيك مفاجئ للمؤسسة قد يترك فراغًا كبيرًا ويثير غضبًا واسعًا في القاعدة الشعبية التي اعتادت اعتباره “البديل الموثوق” عن الدولة والنظام المصرفي المنهار.
اقتصاديًا، يشكّل القرض الحسن جزءًا من اقتصاد ظلّ متنامٍ في لبنان، لا يخضع بالكامل للرقابة الضريبية أو التنظيم المالي، ما يثير مخاوف من توسّع العقوبات الدولية لتطال قطاعات أخرى إذا استمر هذا النموذج من التمويل خارج الإطار الرسمي. في المقابل، يرى بعض الخبراء أن هذه الشبكة لعبت دور “منفَس” مالي في مرحلة الانهيار، ووفّرت سيولة في مناطق مهمّشة كان يمكن أن تنفجر اجتماعيًا لو حُرمت من أي دعم.
بين خيار التفكيك الكامل وخيار الإبقاء على الوضع القائم، يطرح بعض الباحثين سيناريو ثالثًا يقوم على محاولة “إدماج” القرض الحسن تدريجيًا في منظومة مالية أكثر شفافية، أو فرض رقابة قانونية ومالية صارمة عليه بدل الإغلاق الفوري، لتفادي صدمة اجتماعية وربما أمنية في الشارع. لكن هذا السيناريو يصطدم مباشرة بحسابات حزب الله السياسية، الذي يرى في استقلالية مؤسساته المالية جزءًا من قدرته على الصمود في وجه الضغوط الخارجية.
خلاصة المشهد أن تفكيك القرض الحسن لم يعد مجرد سؤال مالي، بل تحول إلى اختبار لطبيعة الدولة في لبنان: هل تتجه نحو ضبط الاقتصاد الموازي وبناء نظام مالي شفاف، أم تواصل التعايش مع منظومتين متوازيتين، واحدة رسمية منهارة، وأخرى حزبية قوية لكنها مكلفة سياسيًا واقتصاديًا؟ الإجابة، حتى الآن، لا تزال رهينة موازين القوى الداخلية وحدّة الضغوط الإقليمية والدولية في المرحلة المقبلة.



