أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
في خضمّ الانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه لبنان، يعود الملف اللبناني بقوة إلى دائرة الاهتمام الفاتيكاني مع اقتراب زيارة البابا ليون إلى بيروت خلال الساعات المقبلة، في خطوة يرى فيها مراقبون حدثًا استثنائيًا يعيد لبنان إلى واجهة الاهتمام الدولي، ويؤكد تمسّك الكرسي الرسولي بموقع البلاد ودورها في الشرق.
لبنان في نظر الفاتيكان: أكثر من دولة… إنه رسالة
منذ عقود، ينظر الفاتيكان إلى لبنان باعتباره ظاهرة فريدة في الشرق الأوسط، تتجاوز مكوّناته الجغرافية والديموغرافية. وقد كرّس البابا يوحنا بولس الثاني هذا المفهوم حين قال عبارته الشهيرة: «لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة»، مشيرًا إلى نموذج العيش المشترك الذي يجمع بين المسلمين والمسيحيين في إطار دولة واحدة.
يرى الكرسي الرسولي في لبنان آخر معقل فعلي للتعددية الدينية في المنطقة، وركيزة أساسية لحضور المسيحيين في الشرق، باعتبار أنّ تراجع دورهم في هذا البلد ينعكس تلقائيًا على الوجود المسيحي في سوريا والعراق والأردن وفلسطين. كما يراقب الفاتيكان باهتمام الانهيار المتسارع في المؤسسات اللبنانية، ويرى أن ضرب الدولة أو إفشالها هو التهديد الأكبر لفكرة الشراكة التي يقوم عليها الكيان اللبناني.
ما الذي يريده الفاتيكان لمسيحيي لبنان؟
تستند مقاربة الفاتيكان إلى أربعة مسارات واضحة:
1. وقف نزيف الهجرة:
يعتبر الفاتيكان أنّ أخطر ما يواجه المسيحيين اليوم هو هجرة الكفاءات والطبقة الوسطى، ويدعو إلى توفير مقومات البقاء عبر الاستقرار السياسي والاقتصادي.
2. تقوية الدولة لا الطوائف:
يرى الفاتيكان أن قوة المسيحيين لا تأتي من العسكرة أو الاصطفافات، بل من دولة عادلة، مؤسسات فاعلة، واستقلالية القضاء.
3. حماية المدارس والمؤسسات الكنسية:
تعدّ المدارس الكاثوليكية والجامعات والمستشفيات ركائز أساسية لضمان استمرار الدور المسيحي، ويسعى الفاتيكان لدعمها ماليًا ومعنويًا.
4. تثبيت الشراكة الإسلامية–المسيحية:
يرفض الفاتيكان أي مشروع تقسيمي للبنان، ويتمسك بالـ fórmula التاريخية التي جعلت المسيحيين شركاء لا أقلية.
زيارتا البابوات السابقتان: محطات مفصلية في تاريخ لبنان
لم تشهد علاقة الفاتيكان بلبنان على مرّ العقود حدثًا أهم من زيارتين تاريخيتين:
– زيارة البابا يوحنا بولس الثاني (1997):
سلّم خلالها الإرشاد الرسولي «رجاء جديد للبنان»، وأعاد تسليط الضوء على الهوية الوطنية المشتركة.
– زيارة البابا بندكتس السادس عشر (2012):
سلّم الإرشاد «الكنيسة في الشرق الأوسط»، ودعا خلالها المسيحيين إلى الثبات في أرضهم محذرًا من خطورة الهجرة.
هاتان الزيارتان رسّختا الدور الفاتيكاني كضامن معنوي وسياسي لاستمرار لبنان كمساحة حرة في الشرق.
البابا فرنسيس ولبنان… محبة لم تكتمل بزيارة

على الرغم من أن البابا فرنسيس لم يتمكن من زيارة بيروت، إلا أن مواقفه من لبنان كانت ثابتة وواضحة:
- اعتبر لبنان «في قلبه»، مؤكداً رغبته في زيارته فور توفّر الظروف.
- شدّد على أن هجرة المسيحيين خطر استراتيجي يهدد الشرق كله.
- دعا إلى قيام دولة قوية بعيدًا عن الطائفية والسلاح الموازي.
- أكد أن لبنان نموذج يجب الحفاظ عليه لا خسارته.
كان فرنسيس يكرر: «لبنان بحاجة إلى العالم… والعالم بحاجة إلى لبنان».
الزيارة المرتقبة للبابا ليون: رسائل ما قبل الوصول

تأتي زيارة البابا ليون في توقيت بالغ الحساسية، ويُنتظر أن تحمل رسائل محورية أبرزها:
1. إعادة لبنان إلى الخارطة الدولية
عبر زيارة تُعيد الاهتمام العالمي بالبلاد وتحثّ على دعمها سياسيًا وإنسانيًا.
2. دعم بقاء المسيحيين في أرضهم
وتأكيد حماية الدور التربوي والإنساني للمؤسسات الكنسية.
3. تفعيل الدولة
من المتوقع أن يشدد البابا على ضرورة إعادة بناء المؤسسات الدستورية.
4. خطاب وحدة وطنية موجّه للجميع
زيارة البابا ليست زيارة لطائفة بل لشعب كامل، ولكيان مهدد بالانهيار.
يشكّل اهتمام الفاتيكان بلبنان موقفًا ثابتًا تاريخيًا وروحيًا وسياسيًا. واليوم، مع اقتراب زيارة البابا ليون، يبدو أن الكرسي الرسولي يستعد لإطلاق أقوى رسالة دعم للبلاد منذ سنوات طويلة، في محاولة لوقف الانهيار وتعزيز صمود اللبنانيين في أرضهم.
الزيارة ليست حدثًا بروتوكوليًا، بل نقطة تحوّل قد تساهم في إعادة صياغة الاهتمام الدولي بلبنان، وتذكير العالم بأن هذا البلد ما زال يحمل—رغم الخراب—جوهر تلك الرسالة التي آمن بها الفاتيكان:
لبنان هو مساحة الأمل، لا يجوز تركه يسقط.



