أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
في لحظة دقيقة من تاريخ لبنان، وصل البابا إلى بيروت حاملاً دعوة إلى السلام، وإلى إعادة الروح لوطن أنهكته الأزمات. وبمجرد دخوله الأراضي اللبنانية، توجّهت الأنظار مباشرة إلى الجنوب، إلى قانا الجليل تحديدًا، تلك القرية التي يحتفظ الوجدان اللبناني بها بوصفها المكان الذي مشى عليه السيد المسيح، وحيث حدثت أولى معجزاته عندما حوّل الماء خمرًا في عرس قانا الجليل.
قانا لبنان أصبحت رمزًا روحيًا ووطنيًا متجذرًا، يجمع بين الفرح الأول للمسيح وبين جراح الحروب التي مرّت عليها، فتحولت إلى مساحة يتقاطع فيها الأمل والألم معًاو هي نزفت الدم بمجزرة وقعت على ارضها داخل مقر لقوات حفظ الامن والسلام ” اليونيفيل” عام 1996 ابريل وكنت من الشهود على تلك المجزرة كنت في اول اسعاف وصلت لانقاذ الجرحى ونقل القتلى.
اليوم، ومع وجود البابا في لبنان، تعود قانا إلى الواجهة كرسالة وكتذكير بأن هذا البلد ليس مجرد مساحة سياسية متنازع عليها، بل أرض مطبوعة بخطى المسيح كما يراها المؤمنون، وأن الجنوب الذي حمل المعجزة الأولى ينتظر معجزة أخرى تُعيد إليه الطمأنينة بعد عقود من الاضطراب.
يرى اللبنانيون أن زيارة البابا، رغم أهميتها، لم تكتمل من دون المرور على قانا، خاصة وأن السلام الذي دعا إليه البابا مرارًا يبدأ — بشهادة أبناء الأرض — من الجنوب ذاته، من حيث تدفع القرى أثمان الصراعات وتنتظر كلمة تطمئنها بأن العالم لم ينسها.
وفي محطة بارزة من الزيارة، يستعد البابا اليوم للتوجّه إلى ضريح القديس مار شربل في عنايا، في خطوة ينتظرها اللبنانيون بشغف كبير، لما تحمله من رمزية دينية وروحية عميقة. فمار شربل ليس مجرد قديس محلي، بل شخصية روحية عالمية عبَر تأثيرها حدود الطوائف والأوطان، وتحوّل إلى نقطة التقاء بين المؤمنين من مختلف الانتماءات.

ويتوجّه اللبنانيون بالشكر المسبق للبابا على هذه الزيارة المرتقبة، معتبرين أنها اعتراف بأهمية الراهب الذي كرّس حياته للصمت والصلاة، وبات رمزًا للرجاء عند المسلمين والمسيحيين على السواء، بعدما سُجِّلت آلاف الشفاءات والعجائب التي تُنسب إليه حول العالم.
مار شربل اليوم هو أحد أعمدة الهوية الروحية اللبنانية، ونموذج لقداسة تتخطى الانقسامات وتوحّد القلوب حول ما تبقى من نور في هذا البلد المرهق.
لكن مع ذلك، بقيت قانا الجليل سؤالاً مفتوحًا. فبينما دعا البابا إلى السلام عشرات المرات في خطابه، يتساءل الجنوبيون:
إذا كان السلام هو جوهر رسالتك يا قداسة البابا، أفلا يبدأ هذا السلام من الجنوب؟
من قانا بالتحديد، تلك الأرض التي ارتبط اسمها بأولى معجزات المسيح، والتي ما زالت حتى اليوم تحمل في ترابها خليطًا من الفرح القديم والدم الحديث. قانا التي انتظرت نظرة أبوية تُعيد إليها الشعور بأنها جزء من هذا الوطن الذي يستحق حياة أفضل.
ألم تكن قانا الجنوب تستحق زيارة؟
فهي ليست مجرد ذكرى إنجيلية، بل قرية تنبض بالحياة، يسكنها أشخاص يواجهون الخطر على حدود الحرب، ويبحثون في زيارتك عن كلمة تعزية، وبركة سلام، وشعور أنّ العالم لا يزال يراهم.
إن السلام الذي دعوت إليه لا يكتمل إلا إذا شمل الجنوب… هناك، حيث يختلط الخوف بالأمل، وحيث ينتظر الناس منذ عقود معجزة تشبه تلك التي السلام في رسالة المسيح… بين النص الإنجيلي وواقع لبنان
سلام المسيح
لقد جاء السلام في رسالة المسيح بوصفه عطيةً إلهية لا تشبه ما يعطيه العالم، إذ قال: «سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم، لست أعطيكم كما يعطي العالم» (يوحنا 14:27)، وهو سلام يسكُن القلب لا الظروف. وفي العظة على الجبل، بارك يسوع الذين يسعون لصنع السلام قائلاً: «طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون» (متى 5:9). ولأن السلام ركنٌ من أركان الإيمان، دعا المسيح تلاميذه أن يحملوه معهم أينما ذهبوا: «فليحلّ سلامكم على البيت» (لوقا 10:5). وحتى في لحظات الضيق، وعدهم بأن سلامه أقوى من الألم، قائلاً: «فيّ يكون لكم سلام… في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا، أنا قد غلبت العالم» (يوحنا 16:33). وهو سلام لا يقوم على قوة البشر بل على نعمة الله التي «تفوق كل عقل» (فيلبي 4:7)، والتي تحفظ القلوب وتثبّت الرجاء.
هكذا يقدّم الإنجيل السلام لا ككلمة تُقال، بل كطريق يُسلك، وبركة تُمنح، وحضور إلهي يرافق الإنسان في كل حين. في عرس قانا: تحويل الحزن إلى فرح، واليأس إلى رجاء.
وهل هذه دعوة إلى سلام مجهول؟
وحين أشرتَ يا قداسة البابا إلى أنّ “القافلة تسير”، قرأ كثيرون في كلماتك نبرة توحي بأنّ ما هو قادم يفوق قدرة اللبنانيين على مواجهته. وهنا يبرز السؤال القلق:
هل تُطلب منّا المشاركة في سلامٍ لم تتّضح معالمه بعد، سلامٍ قد يفرض علينا أثمانًا لا نعرفها؟
فاللبنانيون، وخصوصًا أبناء الجنوب، يتساءلون:
إذا انضممنا إلى هذا السلام، من يضمن أن تُحفَظ كرامتنا؟
ومن يضمن ألا يتحوّل السلام إلى استسلام مقنّع، أو إلى تسوية تُبنى على حساب الذين عاشوا وجع الخطوط الأمامية؟
هل يملك أحد في هذا العالم ضمانة حقيقية تُعيد الأمن إلى بيوتهم، والطمأنينة إلى قلوبهم، والعدالة إلى ذاكرتهم المثقلة بالوجع؟
لست أقول لك نحن مع الممانعة وحزب الله كلا تسىء فهمي هناك قلة قليلة معه اليوم ولكن كل لبنان مع كرامة اهل الجنوب وسيادة لبنان واستقلاله.
إن السلام الذي يؤسس لمستقبل لبنان يجب أن يكون سلامًا عادلًا، واضحًا، ومضمونًا، لا سلامًا تُفرض إيقاعاته من الخارج، بل سلامًا يحفظ الكرامة قبل الحدود، ويعيد للبنانيين حقّهم في الحياة قبل كل شيء.
لبنان يريد سلامًا يشبه قصته، يشبه رجاء قانا واستعداد مار شربل لاستقبال البركة البابوية: سلامًا يَصنع تحولاً حقيقيًا، كما تحوّل الماء يومًا إلى خمر في عرس الجليل.
مبارك آت باسم الرب، لقد ورد في الكتاب المقدّس، في خطاب الربّ لموسى من وسط العليقة، قوله: «إني قد رأيت مذلّة شعبي الذين في مصر، وسمعت صراخهم… فنزلتُ لأُنقذهم» (الخروج 3: 7–8). هذه الكلمات، التي تختصر حضور الله في قلب آلام الإنسان، تتردّد اليوم في وجدان كثير من اللبنانيين الذين يشعرون أنّ صراخهم طال، وأن أوجاعهم ليست أقلّ من تلك التي حملتها شعوب مضطهدة عبر التاريخ. فالآية تذكّر بأن الله يرى، ويسمع، ويتدخل، وأن الخلاص ليس فعل قوة فحسب بل فعل محبة إلهية تنحني على الوجع البشري. وفي زمن يبحث فيه اللبنانيون عن بصيص أمل، تبدو هذه الآية كأنها صدى سماوي يذكّرهم بأن الألم ليس نهاية الطريق، وأن يدًا أعلى قادرة دائمًا على انتشال الشعوب من محنتها متى حان وقت الخلاص.



