أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي
في وقتٍ تعيش فيه غزة على إيقاع مرحلة سياسية وأمنية حساسة، تتقاطع التطورات الإقليمية والدولية لتشكّل مشهداً معقداً تتداخل فيه مفاوضات وقف إطلاق النار مع صراع النفوذ، وخطط إعادة رسم مستقبل القطاع، والأزمات الداخلية في إسرائيل.
ففي القاهرة، يعيد رئيس الشاباك ديفيد زيني ورئيس المخابرات المصرية حسن رشاد فتح ملفات المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار، بينما تواجه الخطة الأميركية لنشر قوة دولية في غزة تعثّراً واضحاً مع تراجع الدول عن تقديم التعهدات اللازمة، وسط أسئلة معلّقة حول آليات نزع السلاح ومستقبل غزة الأمني. وفي الداخل الإسرائيلي، تكشف صحيفة “يديعوت أحرونوت” ملامح خطة “غزة الجديدة” التي تقوم على إعادة هندسة الواقع الديموغرافي والجغرافي للقطاع، عبر نقل ملايين الفلسطينيين إلى مناطق مؤقتة وتقليص نفوذ حماس عبر شريط أمني طويل الأمد، في وقت تتواصل فيه المعارك تحت الأرض وفوقها، وتبرز علامات تمرد محلي يضعف قبضة الحركة.
بالتوازي، يتفجّر داخل إسرائيل جدل سياسي وقضائي غير مسبوق بعد طلب بنيامين نتنياهو العفو من الرئيس هرتسوغ دون اعتراف بالذنب، ما فجّر عاصفة من الرفض لدى المعارضة التي اعتبرت الخطوة “التفافاً سياسياً” ومحاولة للهروب من المحاكمة، مقابل دعم قوي من حلفائه الذين يرون في العفو “ضرورة أمنية”. ويكشف استطلاع جديد انقسامًا حادًا داخل المجتمع الإسرائيلي، مع تراجع قوة بعض الأحزاب وصعود أخرى، وانقسام واضح حول العفو، فيما يتواصل ضغط الشارع عبر تظاهرات أمام منزل الرئيس. هكذا تتداخل مسارات غزة الأمنية مع الأزمة السياسية الداخلية في إسرائيل، في لحظة إقليمية فائقة الحساسية.
وقال موقع “واي نت” الإسرائيلي إن رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي ديفيد زيني أجرى زيارة إلى القاهرة التقى خلالها رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد لبحث المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. وتأتي هذه الزيارة في ظل تعثر الجهود الأميركية لتنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخاصة بنشر قوة دولية في غزة، وهي الخطة التي صادق عليها مجلس الأمن الدولي في 17 نوفمبر/تشرين الثاني، لكنها تواجه صعوبة في الحشد والتمويل، وفي الإجابة عن أسئلة حساسة بشأن آليات نزع السلاح من القطاع.
ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤولين أميركيين أن دولًا عديدة كانت قد أعلنت استعدادها للمشاركة في القوة الدولية أعادت النظر في مواقفها؛ فإندونيسيا، التي تحدثت سابقًا عن إمكانية إرسال ما يصل إلى 20 ألف جندي، تدرس الآن تقليص مشاركتها إلى وحدات أصغر، بينما أعادت أذربيجان التقييم بدورها، ولم تُبدِ أي دولة عربية استعدادها للمساهمة بقوات. وتتركز المخاوف على احتمال مواجهة القوة الدولية المدنيين الفلسطينيين، إضافة إلى الضبابية التي لا تزال تحيط بآليات نزع سلاح حركة حماس. ومع تعثر هذه الجهود، تُبقي إسرائيل الباب مفتوحًا أمام مناقشات تشكيل القوة الدولية، وسط استمرار العمليات العسكرية في غزة.
وفي موازاة المسار الأمني، استقبل رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى وفدًا من مجلس شبابي الأغوار لبحث سبل تعزيز صمود المواطنين في ظل تصاعد اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه. واستعرض الوفد تحديات تتعلق بالصحة والتعليم وهدم المنازل وصعوبات التنقل والمواصلات. وأكد مصطفى أن تعزيز صمود السكان في الأغوار يمثل أولوية للحكومة، خاصة في ظل الحرب الشرسة التي تتعرض لها المنطقة.
وفي الجانب الإسرائيلي، نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” تقريرًا موسعًا من جنوب غزة تناول الوضع الميداني والإنساني، وربطه بما يُعرف بـ”خطة غزة الجديدة” المؤلفة من عشرين بندًا، والتي جرى تطويرها داخل مركز القيادة الأميركية في كريات جات بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي. ويصف التقرير الواقع على ممر موراج بين خان يونس ورفح حيث تنتشر السواتر الترابية والآليات العسكرية. لكن المظهر الأكثر لفتًا للأنظار، بحسب الصحيفة، كان أكوام أكياس الدقيق والطرود الغذائية الملقاة على جانبي الطريق، والتي تُقدّر بمئات الأطنان من المواد الصالحة للاستخدام.
وينقل التقرير عن ضابط إسرائيلي أن جزءًا من هذه المواد مصدره شاحنات المساعدات الإنسانية القادمة من معبر كرم أبو سالم، ويرجّح سيناريوهين لوجودها على الطرق الترابية: الأول سقوطها من الشاحنات بسبب سوء التثبيت وغياب الرقابة الدقيقة؛ والثاني قيام لصوص أو عناصر محلية برمي الحمولة عمدًا من الشاحنات بهدف جمعها لاحقًا وبيعها في السوق السوداء، قبل أن تعرقل التحركات العسكرية هذه العملية. ويثير هذا المشهد أسئلة حول آليات توزيع المساعدات داخل القطاع في ظل انتشار المجاعة والانهيار الإنساني، وخاصة مع توقف مؤسسة “غزة الإنسانية” التي كانت تعمل بدعم إسرائيلي.
وترتبط هذه الوقائع الميدانية بخطة “غزة الجديدة” التي تقوم على تقسيم القطاع إلى مناطق تخضع لسيطرة حماس وأخرى لسيطرة إسرائيل، بحيث تشمل الأخيرة نحو 57% من مساحة غزة شرق “الخط الأصفر”. وتهدف الخطة إلى فصل المدنيين عن وجود الحركة، عبر نقل نحو مليوني فلسطيني من المناطق المكتظة إلى “أحياء مؤقتة” شرق رفح وخان يونس، تُقام فيها كرفانات وخيام منظمة مزودة ببنية تحتية أولية ومراكز طبية وتعليمية ومساجد. ومن المتوقع أن تتولى شركات مصرية تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار وإزالة الأنقاض، على أن يُمنح السكان فرص عمل في هذه المشاريع.
وتسعى الجهات المشرفة على تنفيذ الخطة، وفق الصحيفة، إلى تقليل قدرة حماس على السيطرة على المساعدات الإنسانية من خلال إنشاء مراكز توزيع صغيرة داخل الأحياء المؤقتة بإدارة دولية وبحماية قوات الاستقرار. كما يعمل الجيش الإسرائيلي على تعزيز الشريط الأمني شرق القطاع بنقاط حصينة وسواتر عالية، إضافة إلى إقامة معابر مزودة بأنظمة تكنولوجية متقدمة لمنع عناصر حماس من دخول المناطق الجديدة.
ورغم تقليص عدد القوات داخل غزة، تبقى جيوب المقاومة نشطة في أنفاق خان يونس ورفح، حيث تدور معارك عنيفة فوق الأرض وتحتها. وتتحدث “يديعوت” عن مجمع أنفاق في رفح يضم نحو مئة مقاتل، قُتل ثلثهم واستسلم بعضهم، فيما بدأت ميليشيات عائلية محلية ـ وفق التقرير ـ التمرد على حماس وتحدي سيطرتها.
ومع ذلك، تصطدم الخطة الأميركية الإسرائيلية بعقبات كبيرة، أبرزها عدم تشكيل القوة متعددة الجنسيات، وعدم وجود تمويل مؤكد لإقامة الأحياء المؤقتة والإدارة المدنية المزمع إنشاؤها. كما تتساءل الأوساط الإسرائيلية عن قدرة المجتمع الإسرائيلي على تحمل الكلفة العسكرية والاقتصادية لإقامة طويلة داخل القطاع.
على الصعيد السياسي الداخلي، فجّر طلب العفو الذي تقدّم به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للرئيس إسحاق هرتسوغ أزمة سياسية وقضائية واسعة. فقد أثار امتناع نتنياهو عن الاعتراف بأي ذنب في القضايا التي يُحاكم عليها منذ خمس سنوات غضب المعارضة، التي طالبت الرئيس برفض الطلب معتبرة أن العفو يتطلب اعترافًا وندمًا وانسحابًا من الحياة السياسية. وقال يائير لابيد إن منح العفو دون اعتراف “تقويض للقانون”، فيما وصف بيني غانتس الطلب بأنه “مزيف بالكامل”، واعتبره محاولة للهروب من المحاكمة وصرف أنظار الجمهور عن قانون التجنيد. وذهب أفيغدور ليبرمان أبعد من ذلك، واصفًا الخطوة بأنها “ابتزاز سياسي”.
وانضم عوفر كسيف إلى المنتقدين، معتبرًا أن نتنياهو يبحث عن “طريق التفاف سياسي”، بينما اعتبرته وسائل إعلام إسرائيلية “زلزالًا قضائيًا” مرتبطًا برسالة دعم تلقاها مؤخرًا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وأُحيل الطلب إلى قسم العفو بوزارة القضاء لدراسة الملف، وسط توقعات بمعارضة المستشارة القانونية للحكومة غالي بهارف–ميارا.
ورغم ذلك، حظي نتنياهو بدعم واسع من حلفائه في الائتلاف الحكومي. فقد اعتبر وزير الجيش يسرائيل كاتس أن الإجراءات القضائية “معيبة من أساسها” وأن العفو ضرورة لمواجهة التحديات الأمنية، بينما رأى وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أن العفو “حيوي لأمن الدولة” ومكمّل لعملية الإصلاح القضائي. أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش فاتهم الجهاز القضائي بـ”الملاحقة السياسية” وطالب الرئيس بقبول الطلب.
وفي تل أبيب، تظاهر عشرات الإسرائيليين أمام منزل هرتسوغ مطالبين برفض العفو، وهتفوا بأن “لا عفو عن مدمّر إسرائيل”. ومنعت الشرطة المحتجين من التقدم نحو مفترق “إليفان جانكشن”، معتبرة المظاهرة غير قانونية.
في هذا السياق، أظهر استطلاع جديد لقناة “كان” الإسرائيلية أن حزب الليكود يحافظ على قوته بـ27 مقعدًا، فيما يواصل حزب نفتالي بينيت الجديد صعوده إلى 22 مقعدًا، بينما تراجع حزب غادي آيزنكوت إلى 7 مقاعد. وعلى مستوى الكتل، يحصل معسكر نتنياهو على 52 مقعدًا مقابل 58 للمعارضة.
أما قضية العفو، فأظهرت نتائج الاستطلاع انقسامًا واسعًا: 38% يؤيدون منح العفو و43% يعارضونه. وفي الوسط اليهودي يتقدم الدعم بنسبة 43% مقابل 37% معارضة، بينما يعارض 69% من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر منح العفو مقابل تأييد 10% فقط.
وفي ظل هذا المشهد الميداني والسياسي المعقد، تبقى غزة عالقة بين خطوط الخرائط العسكرية وخطط إعادة الهيكلة الأميركية الإسرائيلية، وبين واقع إنساني يزداد سوءًا، ومسار سياسي داخل إسرائيل يزداد انقسامًا كلما اشتدت الضغوط حول ملف نتنياهو والقضية الفلسطينية.



