أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
قبل أن يلتقي اللبنانيين والمؤمنين للاحتفال بالقداس الجماهيري الضخم،، سيقف البابا لاوون الرابع عشر لحظة صمت وصلاة في موقع تفجير مرفأ بيروت، في خطوة تُعيد تسليط الضوء على الجرح الوطني المفتوح منذ الرابع من آب 2020، وعلى حقّ الضحايا وأهاليهم في الحقيقة والعدالة. وتُعدّ هذه المحطة من أقوى الرسائل الرمزية في الزيارة، مؤكّدة أن ألم اللبنانيين لم يُطوَ، وأن العالم لا يزال يترقّب كشف ما حصل في ذلك اليوم المأساوي.
تفجير المرفأ… الانفجار الذي لم تُكشف حقيقته بعد
في 4 آب 2020، وقع الانفجار الهائل الذي دمّر نصف العاصمة تقريبًا نتيجة اشتعال كميات ضخمة من نترات الأمونيوم كانت مخزّنة داخل العنبر رقم 12 منذ عام 2013، ما أدى إلى أكثر من 230 ضحية و6500 جريح وتشريد مئات آلاف السكان.
ومنذ ذلك اليوم، لم يتحوّل التفجير إلى مأساة إنسانية فقط، بل إلى ملف سياسي وقضائي بالغ التعقيد، بعدما بدأت التساؤلات حول كيفية وصول هذه المواد إلى المرفأ، ولماذا بقيت مخزّنة لسنوات رغم التحذيرات المتكررة.

اتهامات سياسية… بلا أدلّة حاسمة حتى الآن
مع تطوّر التحقيق، ووسط الانقسام السياسي الداخلي، وُجّهت أصابع الاتهام سياسيًا وإعلاميًا نحو حزب الله، خصوصًا فيما يتعلق بملف استيراد نترات الأمونيوم أو احتمال ارتباطها بشبكات إقليمية.
لكن حتى اليوم، لم تُقدَّم أي أدلّة قضائية مثبتة تُدين أي جهة سياسية أو عسكرية بشكل مباشر، في وقت يؤكّد فيه حزب الله رفضه القاطع لهذه الاتهامات، معتبرًا أنها “مسيسة”.
هذا الغموض ساهم في تعميق الانقسام الداخلي، وجعل التفجير قضية مفتوحة على التأويلات، في ظل غياب نتائج تحقيق قضائي نهائي.
المتهمون قضائيًا… أسماء مدعوّة للمحاسبة لا أحكام نهائية
على المستوى القضائي، تحوّل ملف تفجير مرفأ بيروت إلى واحد من أكثر الملفات تعقيدًا في تاريخ القضاء اللبناني، خصوصًا بعد توجيه المحقّق العدلي القاضي طارق بيطار استدعاءات وادعاءات على عدد من المسؤولين السياسيين والأمنيين والإداريين، بينهم وزراء سابقون، وقادة أجهزة، ومسؤولون في المرفأ والجمارك. إلا أن هذه الاتهامات لا تزال في إطار الادعاءات القانونية، ولم يصدر بحق أي منهم حكم نهائي يُثبِت مسؤولية مباشرة عن الانفجار أو عن إدخال نترات الأمونيوم أو تخزينها.
وقد تعطّل التحقيق مرارًا بسبب الدعاوى المقدّمة من المدّعى عليهم، التي أدّت إلى كفّ يد القاضي بيطار لفترات طويلة، قبل أن يستأنف عمله بصورة متقطّعة وسط تجاذبات سياسية حادة. وفي المقابل، يرى أهالي الضحايا أن كثرة الدعاوى المضادة ومحاولات عرقلة الاستجوابات تهدف إلى منع الوصول إلى الحقيقة الكاملة، فيما يؤكد وكلاء عدد من المدعى عليهم أن الاستدعاءات «مسيّسة» وأن المسار القضائي يجب أن يبقى محايدًا ونزيهًا.
وحتى اللحظة، يبقى الملف مفتوحًا على احتمالات متعددة، إذ لم يُحسم بعد ما إذا كانت المسؤولية ستُحدَّد في إطار الإهمال والفساد الإداري، أو مسؤوليات أمنية وسياسية أوسع نطاقًا، في ظل غياب تقرير نهائي وغياب محاكمة علنية تُنهي الجدل حول المتهمين ومساراتهم القانونية.
أبرز الأسماء المدّعى عليها أو المستدعاة في ملف تفجير مرفأ بيروت
أولاً: وزراء وسياسيون سابقون
وجّه القاضي طارق بيطار ادعاءات أو استدعى للاستجواب أسماء بارزة، من بينها:
- علي حسن خليل – وزير المالية السابق
- غازي زعيتر – وزير الأشغال والنقل السابق
- يوسف فنيانوس – وزير الأشغال السابق
- حسن دياب – رئيس الحكومة السابق (استُدعي للاستجواب ولم يحضر)
هذه الشخصيات اتُّهمت بالإهمال أو التقصير الوظيفي لكونها تولّت حقائب مرتبطة بالمرفأ أو كانت على علم بمراسلات أمنية حول وجود نترات الأمونيوم.
ثانياً: قادة أجهزة أمنية ومسؤولون إداريون
وجّهت التحقيقات اتهامات أو مذكرات استدعاء إلى مسؤولين كبار بينهم:
- اللواء عباس إبراهيم – المدير العام للأمن العام سابقًا
- اللواء طوني صليبا – المدير العام لأمن الدولة
- العميد جوزف نداف – رئيس فرع أمن الدولة في مرفأ بيروت
- بدري ضاهر – المدير العام للجمارك (موقوف سابقًا)
- غسان غصن – مدير الجمارك الأسبق
- شفيق مرعي – مدير الجمارك الأسبق
- ميشال نحول – مدير العمليات في مرفأ بيروت
- مسؤولون في مرفأ بيروت وعنبر 12
هذه الإدانات لم تُحسم قضائيًا بسبب وقف التحقيق ورفض الأجهزة الأمنية تنفيذ بعض مذكرات الاستدعاء.
ثالثاً: قضاة وردت أسماؤهم في مراسلات رسمية
من بينهم:
- القاضي غسان عويدات – المدعي العام التمييزي
- القاضية ندى دكروب
- القاضي جاد معلوف
- آخرون وردت أسماؤهم في الرسائل المتعلقة بملف نترات الأمونيوم
القاضي بيطار ادعى على بعضهم باعتبارهم كانوا على علم بوجود المواد المتفجرة.
رابعاً: شخصيات أجنبية مرتبطة بسفينة “روسوس”
وفق الملفات المفتوحة:
- إيغور غريشوشكين – مالك سفينة “روسوس”
- بوريس بروكوشيف – قبطان السفينة
- جهات لوجستية مرتبطة بتحميل ونقل الأمونيوم من جورجيا إلى بيروت
لكن هذه الأسماء لم يُلاحق معظمها لكونهم خارج لبنان.
عرقلة التحقيق وتهديد القاضي طارق بيطار
أعمال التحقيق تعثّرت مرارًا بسبب:
- دعاوى الردّ المتتالية ضد القاضي طارق بيطار
- ضغوط سياسية علنية وسرّية
- انقسام قضائي غير مسبوق داخل العدلية
- تجميد التحقيق لأشهر طويلة بفعل قرارات قضائية متناقضة
وتعرّض القاضي بيطار شخصيًا لضغوط مباشرة وغير مباشرة، وصلت في بعض المراحل إلى تهديدات صريحة ضدّه، بحسب ما أكّده رسميًا أمام النيابة العامة وأمام جهات أمنية. كما شهد لبنان توترات أمنية مرتبطة بالملف، أبرزها أحداث “الطيونة” في تشرين الأول 2021، والتي ارتبطت بشكل أو بآخر بالخلاف حول التحقيق.
كل ذلك ساهم في شلّ التحقيق تمامًا، ما دفع أهالي الضحايا إلى اتهام السلطة السياسية بمحاولة دفن الحقيقة ومنع وصول الملف إلى خواتيمه القضائية.
رسالة صلاة البابا… عدالة قبل الرجاء
وقوف البابا عند موقع التفجير يحمل دلالة واضحة:
أنّ الرابع من آب ليس حدثًا يُنسى، وأنّ العدالة ليست مطلبًا محليًا فقط بل استحقاقًا أخلاقيًا عالميًا.
فتفجير المرفأ لم يدمّر بيروت فحسب، بل كشف أيضًا:
- حجم الفساد المتراكم داخل الدولة
- هشاشة المؤسسات
- وعمق التدخل السياسي في القضاء
- وسقوط فكرة المحاسبة أمام منظومة المصالح والنفوذ
وقفة البابا قد لا تعيد فتح التحقيق، لكنها تمنح أهالي الضحايا شعورًا بأن العالم لا يزال يرى جراحهم، وبأن صوتهم، مهما حُوصِر داخليًا، لم يختفِ خارجيًا.



