السويداء: وفاة معتقليين خلال 48 ساعة وتصاعد في التوتر… والمرصد يطالب بتحقيق مستقل
أخباركم – أخبارنا
شهدت محافظة السويداء خلال الساعات الماضية تطوراً خطيراً تمثل بوفاة ماهر فلحوط داخل أحد مشافي المحافظة بعد يومين فقط من اعتقاله على يد قوات “الحرس الوطني”، وذلك وفق ما أكده المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي حصل على معلومات موثوقة بشأن الحادثة. وتشكل وفاة فلحوط الحالة الثانية خلال أقل من 48 ساعة، بعد وفاة الشيخ رائد المتني الذي نقلت جثته اليوم إلى المستشفى وقد بدت عليها آثار تعذيب واضحة، بحسب مصادر طبية ومحلية متقاطعة، الأمر الذي أثار حالة واسعة من الغضب والاستياء في أوساط الأهالي.
وبحسب توثيقات المرصد السوري، فإن فلحوط والمتني أوقفا يوم الأحد الماضي خلال حملة أمنية نفذها “الحرس الوطني” في المحافظة، قبل أن تتسرب اليوم معلومات تؤكد وفاة المتني تحت وطأة التعذيب. وتزامن ذلك مع نقل جثمانه إلى المستشفى وعليه آثار جسدية اعتبرتها مصادر طبية دليلاً على تعرضه للعنف الشديد خلال فترة احتجازه. وكان المرصد قد أدان في وقت سابق مقتل المتني خلال وجوده في قبضة “الحرس الوطني”، وطالب بفتح تحقيق مستقل وفوري لتحديد ظروف وفاته، مؤكداً أن أي انتهاك يطال حياة أو كرامة المواطنين السوريين هو أمر مرفوض بغض النظر عن الجهة المسؤولة.
وتقدّم جهات مقربة من “الحرس الوطني” رواية مغايرة، إذ تشير إلى أن الشيخ رائد المتني كان يعاني من ارتفاع حاد في ضغط الدم، وأن وفاته ناجمة عن تناوله جرعات مرتفعة من أدوية الضغط، فيما تتحدث مصادر أخرى مقربة من الدائرة ذاتها عن احتمال إقدامه على الانتحار. غير أن مصادر أهلية وطبية أكدت للمرصد السوري أن الجثمان حمل علامات تعذيب واضحة تتعارض مع الرواية الرسمية، ما يعزز الاتهامات الموجهة لعنصر الحرس الوطني بممارسة العنف خلال التحقيق والاحتجاز.
وتشير مصادر خاصة في محافظة السويداء لموقع تلفزيون سوريا إلى أن مقار “الحرس الوطني” تحولت خلال الشهرين الماضيين إلى مراكز احتجاز غير رسمية، يجري داخلها استخدام أساليب عنف وضغط مكثف بحق الموقوفين، خاصة من الناشطين المحسوبين على الحراك السلمي، وعناصر التشكيلات العسكرية القديمة التي كانت مناهضة لنظام الأسد المخلوع، فضلاً عن أشخاص يتهمهم الحرس بالتواصل مع حكومة دمشق. وتوضح تلك المصادر أن الشيخ رائد المتني وضع داخل غرفة منفصلة نظراً لمكانته الاجتماعية داخل الطائفة الدرزية، إلا أن ذلك لم يمنع تعرضه لضغوط نفسية شديدة، إضافة إلى استخدام أساليب تعذيب بحقه، بينما اعتُدي على شبان أوقفوا معه بالضرب والشتائم والتهديد، قبل أن يُنقل اثنان منهم إلى مقر آخر بعد “جلسات تأديب” قاسية، ولا يزال مصيرهما مجهولاً حتى الآن.
وجاءت هذه الاعتقالات في سياق حملة أمنية موسعة شهدتها المحافظة يوم الأحد الماضي، وانتشر خلالها عناصر الحرس الوطني في الطرقات الرئيسية ومحيط البلدة القديمة بشكل كثيف. وبحسب المرصد، فإن الحملة استهدفت أشخاصاً جرى اتهامهم بـ“الارتباط الأمني مع السلطة في دمشق”. كما تمكن المرصد من الحصول على تسجيل مصور يظهر فيه عناصر من الحرس يقومون بإهانة المعتقلين، عبر حلق ذقونهم والاعتداء عليهم بالضرب والشتم، في مشاهد اعتبرها ناشطون استمراراً واضحاً لنهج الانتهاكات بحق المدنيين والمحتجزين.
وفي خضم هذه التطورات، أصدر “الحرس الوطني” بياناً رسمياً اتهم فيه مجموعة من “المتخاذلين والعملاء” بالتورط في “مؤامرة دنيئة وخيانة عظمى” بالتنسيق مع حكومة دمشق وجهات خارجية، مشيراً إلى أن الهدف من تلك المؤامرة كان تنفيذ خرق أمني خطير يمهّد لهجوم يستهدف أهالي السويداء وممتلكاتهم. في المقابل، يرى ناشطون في المحافظة أن هذا التصعيد الكلامي ترافق مع تصدعات داخلية أوسع، إذ بدأت تشكيلات عسكرية قديمة، من بينها “قوات شيخ الكرامة” و“رجال الكرامة”، بالابتعاد تدريجياً عن الدائرة المقربة من الشيخ حكمت الهجري، في محاولة للنأي بنفسها عن ممارسات الحرس الوطني أو تجنب الدخول في صدام مباشر معه. وتشير معلومات محلية إلى أن الشيخ يحيى الحجار، القيادي السابق في حركة “رجال الكرامة”، جرى إبعاده عن الحركة منذ بداية تشكيل الحرس الوطني، وأنه يخضع حالياً لضغوط وملاحقات من قبل الأخيرة بهدف إزاحته عن المشهد تماماً.
ويتفق عدد من ناشطي السويداء الذين تواصل معهم موقع تلفزيون سوريا على أن ممارسات الحرس الوطني تعكس محاولة لفرض مركزية قسرية داخل المحافظة وإقصاء القيادات العسكرية والاجتماعية التي لا تنسجم مع توجهاته، ما يؤدي إلى خلق شرخ متزايد داخل القوى المحلية، ويضعف القاعدة التقليدية التي بنى عليها المجتمع المحلي توازنه خلال سنوات سيطرة نظام الأسد وبعد سقوطه.
وتعيش محافظة السويداء منذ ساعات حالة من الغليان الشعبي المتصاعد، خاصة بعد شيوع معلومات حول تعذيب المتني ووفاة ماهر فلحوط، في وقت يتهم فيه الأهالي ميليشيا الحرس الوطني بارتكاب استفزازات متكررة تشمل إطلاق النار في الهواء لإرهاب السكان، وتهديد من تصفهم بـ“العملاء والخونة”، إضافة إلى احتكار المحروقات والمساعدات وفرض نفوذ مباشر على تفاصيل الحياة اليومية في المدينة. كما تزايدت المخاوف من اندلاع حراك شعبي واسع قد يواجه بقمع شديد، بعد تعرض أحد سكان مدينة صلخد للضرب على خلفية منشور نشره على صفحته في “فيس بوك” انتقد فيه آلية توزيع المحروقات واتهم الحرس الوطني بالفساد والمحسوبية.
وفي ختام تقريره الصادر امس الثلاثاء 2 كانون الأول 2025، أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان ضرورة فتح تحقيق شفاف ومستقل للكشف عن ملابسات وفاة كل من ماهر فلحوط والشيخ رائد المتني، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات، مجدداً إدانته لأي ممارسات تمس حياة وكرامة السوريين من أي طرف كان، ومشدداً على أن احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون هو المدخل الوحيد لوقف تدهور الأوضاع الأمنية والاجتماعية في محافظة السويداء.



