الإثنين, ديسمبر 8, 2025
18 C
Beirut

من إيران إلى فنزويلا .. أوكرانيا اسيرة الصفقات الدولية

نشرت في

فاطمة حوحو

تُعدّ أوكرانيا واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم من حيث موقعها الجيوسياسي، وهي بذلك تشبه إلى حد بعيد لبنان الذي شكّل عبر تاريخه ساحة تداخل بين القوى الإقليمية والدولية. فالدولتان تقعان في منطقة تلاقي مصالح وصِدام استراتيجي، وتتحكّم جغرافيتهما بممرات حيوية جعلتهما عرضةً لصراعات النفوذ عبر القرون.

اليوم، تعود جذور الأزمة الأوكرانية–الروسية إلى مسار طويل من التحوّلات التاريخية التي تبدأ من نشوء كييف كأول مركز للروس القدماء، مرورًا بتمدد الإمبراطورية الروسية، ثم الحقبة السوفيتية وبناء تركيبة سكانية مختلطة، وصولًا إلى انهيار الاتحاد السوفيتي وتضارب المشاريع السياسية داخل أوكرانيا. إن فهم هذا التاريخ ليس مجرد استعراض لأحداث الماضي، بل هو مفتاح لفهم أعمق للصراع الذي أعاد تشكيل الأمن الأوروبي، وربما يعيد رسم التوازنات في الشرق الأوسط والعالم.

كييف – الجذور التاريخية للهوية الروسية والأوكرانية

في أواخر القرن الخامس الميلادي تأسست مدينة كييف على ضفاف نهر الدنيبر، لتصبح لاحقًا مركز “الروس الكييفيين”، أي النواة الأولى لما سيصبح روسيا لاحقًا. هذا الامتداد يعطي كييف مكانة رمزية في الوعي الروسي، إذ تُعتبر “مهد الروس”، ولها أسبقية تاريخية بنحو 700 عام على ظهور موسكو.

غير أن موقع كييف بين ثلاث قوى كبرى – السويد، بولندا، والدولة العثمانية – جعلها عرضة لغزوات متكررة، ما دفع السكان الروس الأوائل إلى التوجّه شرقًا نحو مناطق أكثر أمنًا، حيث أسّسوا المدن الكبرى مثل موسكو ونوفغورود. هكذا نشأ تباعد جغرافي بين مركز الهوية الروسية التاريخية (كييف) ومركز السلطة السياسية لاحقًا (موسكو).

روسيا الإمبراطورية وتحويل أوكرانيا إلى فضاء نفوذ

مع صعود بطرس الأكبر في مطلع القرن الثامن عشر، بدأت مرحلة توسع روسي منظم نحو الغرب. وقد شكّلت معركة بولتافا عام 1709 نقطة تحول حاسمة حين هُزم الجيش السويدي، فانتقلت السيطرة على أراض واسعة حول كييف إلى روسيا. تبع ذلك توسع أكبر في عهد كاترين الثانية بنهاية القرن الثامن عشر، عندما ضمّت شبه جزيرة القرم بعد هزيمة العثمانيين.

هذا التقدم غربًا وجنوبًا أسّس لروسيا قوّة أوروبية–آسيوية ممتدة، وكرّس أوكرانيا بوصفها منطقة استراتيجية تستخدمها روسيا “عمقًا جيوسياسيًا” يحمي حدودها الغربية.

الحقبة السوفيتية وتشكّل لوحة سكانية معقّدة

عند تأسيس الاتحاد السوفيتي، أصبحت أوكرانيا إحدى الجمهوريات الأساسية فيه، وتمّ ضمّ المناطق الغربية إليها تحت سيادة كييف. خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، عزّزت السلطة السوفيتية التصنيع في شرق أوكرانيا، ما دفع موجات كبيرة من الروس للانتقال إلى مدن الشرق الصناعية، حيث كان المناخ أكثر اعتدالًا والفرص الاقتصادية أكثر وفرة مقارنة بالمناطق الروسية النائية.

النتيجة كانت خلق أغلبية روسية واضحة في شرق أوكرانيا وفي شبه جزيرة القرم، وهو عامل سيبقى مؤثرًا لاحقًا في كل مراحل الصراع.

الحرب العالمية الثانية وسيناريوهات الانقسام الداخلي

لعبت الحرب العالمية الثانية دورًا محوريًا في تعميق الانقسامات داخل أوكرانيا. فبعد توقيع اتفاق عدم الاعتداء بين ستالين وهتلر عام 1939، ضمّ الاتحاد السوفيتي أراضٍ من شرق بولندا ذات أغلبية كاثوليكية، وألحقها بالمناطق الغربية من أوكرانيا. هذه المجموعات لم تكن موالية للاتحاد السوفيتي، وظهرت منها تشكيلات مسلحة، أبرزها قوى “بندار” التي تعاونت لاحقًا مع الجيش الألماني عند غزوه للاتحاد السوفيتي.

وفي القرم، تعاون جزء كبير من التتار المسلمين مع القوات الألمانية أملاً بالتحرّر من الحكم السوفيتي. لكن بعد انتهاء الحرب، قام ستالين بتهجيرهم قسرًا إلى سيبيريا، واستبدالهم بسكان روس، ما غيّر بشكل جذري التركيبة السكانية للقرم لمصلحة الروس.

ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي – ولادة صراع الهوية السياسية

عام 1991، مع سقوط الاتحاد السوفيتي، بدأت جمهورياته السابقة رحلة البحث عن ذاتها السياسية. في أوكرانيا تحديدًا، برزت قوتان متصارعتان:

غربٌ أوكراني ذو جذور أوروبية، يميل نحو الاندماج في الاتحاد الأوروبي.

شرقٌ أوكراني روسي الهوية والثقافة، يميل نحو تعزيز العلاقة مع روسيا.

هذا الانقسام انعكس في الحياة السياسية، وخلق حالة من التجاذب المستمر بين حكومات موالية للغرب وأخرى تميل إلى موسكو. ومع مرور الوقت، تحوّل الصراع من خلاف سياسي إلى صراع مسلح، خصوصًا بعد دعم روسيا للانفصاليين في دونيتسك ولوغانسك.

اتفاق بودابست وخيبة كييف

عام 1994، وقّعت أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة وبريطانيا على “مذكرة بودابست” التي تعهّدت روسيا بموجبها باحترام وحدة الأراضي الأوكرانية مقابل تخلي كييف عن ترسانتها النووية السوفيتية. لكن هذا الاتفاق انقلب رأسًا على عقب عندما أعلنت موسكو لاحقًا عدم التزامها به.

وفي 2014، ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم رسميًا وفتحت جبهة حرب في شرق أوكرانيا بذريعة حماية السكان الروس، الذين يشكّلون 18–20% من سكان البلاد. الحرب الممتدة ومأزق روسيا الاستراتيجي

دخلت روسيا حرب أوكرانيا على أساس أنها عملية خاطفة لن تتجاوز أسابيع، إلا أن صمود الجيش الأوكراني والدعم الغربي الواسع حوّلا العملية إلى صراع طويل باهظ التكلفة. تكبّدت موسكو خسائر بشرية كبيرة، وتعرض اقتصادها لهزّات عميقة نتيجة العقوبات الغربية، ما جعل بوتين يبحث عن تسويةٍ تُقدّم داخليًا على أنها “انتصار” رغم كلفتها.

الصفقات الدولية المحتملة – من فنزويلا إلى إيران

بحسب القراءات السياسية المتداولة اليوم، تعمل واشنطن على بلورة صفقة كبرى مع روسيا تشمل مقايضات استراتيجية:

ملفات أميركا اللاتينية (فنزويلا خصوصًا)
مقابل

تسوية محتملة في أوكرانيا.

كما يشمل جزء من التفاوض الملف الإيراني، حيث قد تُحاول روسيا لعب دور الوسيط مقابل رفع بعض العقوبات عن طهران، مع بحث اتفاقات تتعلق بالصواريخ الباليستية وأذرع إيران الإقليمية.

انضمام جاريد كوشنر – المعروف بقربه من القيادة الإسرائيلية – إلى قنوات التفاوض يعكس الأهمية التي توليها واشنطن للجانب الإسرائيلي من أي اتفاق محتمل.

تداعيات الشرق الأوسط – لبنان نموذجًا

تشير بعض السيناريوهات إلى أنّ فشل التفاهم الأميركي–الروسي قد يُسهم في تفجير جبهات جديدة في الشرق الأوسط، خصوصًا في لبنان حيث تتقاطع مصالح إيران وإسرائيل وروسيا والولايات المتحدة. أما نجاح الاتفاق، فقد يؤدي إلى ضبط إيقاع التوترات الإقليمية وتغيير مستقبل شبكات النفوذ الإيرانية.

أوكرانيا مركز التوازن العالمي الجديد

إنّ الأزمة الأوكرانية ليست مجرد نزاع حدودي، بل صراع على هوية أوروبا، وعلى موقع روسيا في النظام الدولي، وعلى إعادة توزيع النفوذ العالمي من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.
إنّ فهم هذا الصراع يتطلّب قراءة تاريخية عميقة، لأن كل خطوة تتخذها روسيا أو الغرب اليوم هي امتداد لصراعات تعود جذورها إلى ألف عام.

ومهما كانت مخرجات المفاوضات، ستبقى أوكرانيا ساحة يتحدد من خلالها مستقبل الأمن الأوروبي والشرق الأوسط وربما النظام الدولي بأسره.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

بيروت بين وهج الأعياد وضغط المهل:السياسة على حافة التفاوض والحرب… عناوين ومختارات من الصحف

أخباركم - أخبارنابينما ترتدي بيروت حلّتها الاحتفالية استعداداً للأعياد، بقي المشهد السياسي متشابكاً بين...

الاتحاد أوروبي تحت الضغط: تشديد سياسات الهجرة وإنشاء مراكز عودة خارج الحدود

أخباركم - أخبارناتجتمع الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، اليوم الإثنين، تحت ضغط متزايد...

اجتماع ثلاثي رفيع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وقطر في نيويورك

أخباركم - أخبارناعُقد اجتماع ثلاثي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وقطر في مدينة نيويورك، وفق...

تقرير “لاتيت”: الفقر يتعمّق في إسرائيل وارتفاع كبير بتكاليف المعيشة خلال الحرب

أخباركم - أخبارناأظهر تقرير الفقر البديل للعام 2025، الصادر عن منظمة "لاتيت" اليوم الاثنين،...

More like this

تسريب بعد سقوط النظام: بشار الأسد ولونا الشبل يسخران من حزب الله… فهل كانت دماء “الحلفاء” مجرد ورقة رخيصة؟

أخباركم - أخبارنا بعد مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد، خرج إلى العلن...

هل يرد بري على جعجع عبر خليل؟

أخباركم - أخبارنا كشف مصدر مطلع لموقعنا أن المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب النائب علي...

عام على سقوط الأسد… الشرق الأوسط يتغيّر، وإيران وحزب الله في أخطر مراحل الانكشاف!

أخباركم - أخبارنا تحوّل السوريون، رسميًا وشعبيًا، نحو احتفالات الذكرى الأولى لسقوط نظام الرئيس...