أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي
على وقع ضغوط أميركية متصاعدة، وتنافس تبدو فيه كل الأطراف كأنها تركض خلف فرصة أخيرة لإنقاذ اتفاق غزة من الانهيار، تتقاطع رسائل العواصم الكبرى مع وقائع ميدانية معقّدة تمتد من الأنفاق جنوب القطاع إلى حدود غور الأردن شمال الضفة.
ففي واشنطن، اختار الرئيس دونالد ترامب لغة مباشرة مع بنيامين نتنياهو، مطالبًا إياه بتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة، ووقف قتل مقاتلي حماس المحاصرين، ومذكّرًا إياه بأن مسار العفو عنه ما يزال مطروحًا، وإن كان مشروطًا بتغيير سلوكه السياسي والأمني. وفي الدوحة، يواصل الوسطاء القطريون محاولاتهم لتثبيت الهدنة الهشّة وسط خروقات إسرائيلية تهدد بنسف ما تحقق، فيما تتضارب الروايات حول رفات الأسرى بين ما تتسلّمه إسرائيل وما تقوله حماس، في ظل ضبابية متزايدة تعيق الانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق.
بالتوازي، يفتح ملف الجنوب السوري بابًا آخر للاشتباك السياسي، بعدما حثّ ترامب نتنياهو على تخفيف العمليات هناك، معتبرًا أن القيادة الجديدة في دمشق توفر فرصة لاتفاق أمني مختلف قد يغيّر مسار الصراع. وعلى الأرض، تمضي إسرائيل في مشروع الجدار في عمق غور الأردن، بما يحمله من مصادرة واسعة للأراضي وعزل للتجمعات الفلسطينية، ما يعزز سياسة الضم ويزيد الضغوط على المزارعين والرعاة الذين دفعوا أثمانًا قاسية خلال العامين الأخيرين.
وفي الأثناء، تعرب بريطانيا عن غضبها من التعطيل المستمر لوصول المساعدات إلى غزة، بعد تأخر شحنة إنسانية لعام كامل، مؤكدة أن فتح جميع المعابر بات ضرورة لا تحتمل المماطلة.
فقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري إن الوسطاء يواصلون العمل للوصول إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مؤكدًا أن الهدنة ما زالت قائمة رغم الخروقات الإسرائيلية المتزايدة. وأوضح أن كل خرق يضعف فرص تثبيت الاتفاق، وأن الجهود تتركز حاليًا على منع انهيار التفاهمات التي تم التوصل إليها. وترهن إسرائيل بدء التفاوض على المرحلة الثانية بتسلّمها جميع رفات الأسرى، في حين تؤكد حركة حماس أنها سلّمت كل من كان لديها من أسرى أحياء وقتلى، بما في ذلك العشرين الأحياء والـ28 من القتلى. لكن القناة 13 الإسرائيلية ذكرت أن بعض المتعلقات التي وصلت إلى معهد الطب الشرعي لا تعود لأحد الأسيرين المتبقيين، ما يعمّق الغموض حول الملف.
وأعلنت حماس نقل رفات أسير إسرائيلي جديد عبر الصليب الأحمر، بينما قالت إسرائيل إنها تسلمت بقايا جثمان أحد الأسيرين قبل نقله إلى معهد الطب الشرعي القريب من تل أبيب لإجراء فحوصات إضافية. وأوضح بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن الاستعدادات جارية لتسلّم عينات جديدة تم نقلها من غزة، وأن نتائج الفحص ستحدّد مسار التفاوض في الأيام المقبلة.
وفي موازاة ذلك، خرجت تفاصيل واسعة حول المكالمة الهاتفية الطويلة التي جرت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ووفق مسؤولين أمريكيين نقلت عنهم وسائل إعلام عدة بينها موقع “أكسيوس”، فإن ترامب أثار خلال الاتصال مجموعة من الملفات الحساسة، أبرزها مطالبة نتنياهو بالسماح بتطبيق المرحلة الثانية من اتفاق غزة، والتوقف عن قتل مقاتلي حماس المحاصرين في الأنفاق. وسأل ترامب نتنياهو: “لماذا تقتلون عناصر حماس بدل السماح لهم بالخروج والاستسلام؟”، فرد نتنياهو بأنهم مسلحون ويشكلون خطورة. وترى الإدارة الأمريكية أن السماح بخروج هؤلاء المقاتلين في إطار صفقة تشمل العفو و”الممر الآمن” قد يكون نموذجًا لنزع السلاح، في حين تنظر إسرائيل إلى وجودهم في الأنفاق كتهديد أمني يجب التخلص منه. وكشف مسؤولون أمريكيون أن الولايات المتحدة حاولت خلال الأسابيع الماضية التوسط لإبرام اتفاق بشأن هؤلاء المقاتلين، لكن عدم تعاون إسرائيل أضعف تلك الجهود.
وتطرقت المكالمة إلى الملف السوري، حيث عبّر ترامب عن معارضته لاستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، معتبرًا أن ذلك يقوّض جهود التوصل إلى اتفاق أمني جديد بين إسرائيل ودمشق. وقال ترامب لنتنياهو: “اهدأ في سوريا. لا تقم بأعمال استفزازية. القيادة الجديدة في سوريا تحاول جعل البلاد أفضل”. وبعد هذا الاتصال، بدا أن نبرة نتنياهو قد تغيّرت، إذ قال إنه لا يستبعد التوصل إلى اتفاق أمني مع سوريا إذا توفرت الشروط التي تطلبها إسرائيل، ولمّح إلى إمكان الانسحاب من الأراضي التي احتلتها خلال الحرب، مقابل ضمانات تتعلق بنزع السلاح جنوب سوريا.
وتناول ترامب أيضًا قضية العفو عن نتنياهو، والتي تقدّم بها الأخير رسميًا إلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ قبل أيام. وأبلغ ترامب نتنياهو بأنه يعتقد أن العفو سينجح، لكنه لم يتعهد باتخاذ خطوات إضافية. ووفق مسؤولين أمريكيين، طلب نتنياهو من ترامب بذل المزيد من الجهود لدفع هرتسوغ نحو الموافقة، فيما قال أحد المسؤولين إن ترامب “فعل كل ما يمكنه فعله”. ويواصل ترامب تدخله في هذا الملف منذ أشهر، إذ سبق أن بعث رسالة رسمية إلى الرئيس هرتسوغ يدعوه فيها للعفو عن نتنياهو، معتبرًا أن محاكمته “ملاحقة سياسية”.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه إسرائيل بملفات غزة وسوريا والعفو، كشفت صحيفة “هآرتس” عن تقدم كبير في مشروع إقامة جدار جديد في عمق غور الأردن. ووفق الصحيفة، فإن الجدار سيقام على بعد 12 كيلومترًا غرب الحدود بين الضفة والأردن، وسيعزل عشرات التجمعات الفلسطينية. ويبلغ طول المقطع الجاري العمل عليه 22 كيلومترًا وعرضه 50 مترًا، ويشمل هدم منازل ودفيئات وآبار وبنى تحتية فلسطينية تقع ضمن المسار. وأبلغ الجيش خمس عائلات في المنطقة بضرورة تفكيك منشآتهم خلال سبعة أيام فقط. ويحاصر المقطع الجديد خربة يرزة، التي يعيش فيها 70 شخصًا يعتمدون على تربية آلاف رؤوس الأغنام، بينما يخشى السكان قيودًا جديدة ستؤثر على تنقلهم ووصولهم إلى المدارس والخدمات والأسواق.
ويأتي الجدار ضمن مشروع عسكري يحمل اسم “الخيط القرمزي”، ويتضمن طريقًا للدوريات، وعوائق ترابية وسياجًا تبنيه وزارة الأمن. وتشير الوثيقة الموقعة من قائد المنطقة الوسطى اللواء آفي بلوت إلى أن الهدف المعلن للمشروع هو “منع تهريب السلاح وحماية المستوطنين”. لكن منظمات حقوقية وباحثين يرون أن الهدف الفعلي هو تعزيز الضم الفعلي للضفة وقطع أوصال الأراضي الفلسطينية. ويؤكد الباحث درور أتكيس أن المرحلة الحالية من المشروع ستعزل المزارعين في بلدات طمون وطوباس وتياسير وعقبة عن نحو 45 ألف دونم من أراضيهم، ستصبح محاصرة بين شارع ألون والجدار الجديد. وتبلغ مساحة المصادرة الحالية 1,093 دونمًا، معظمها أراضٍ خاصة لمزارعين فلسطينيين.
وتوضح “هآرتس” أن التجمعات الزراعية والرعوية في غور الأردن يعود وجودها إلى ما قبل قيام إسرائيل، وأنها تطورت تدريجيًا لتلبية حاجات السكان المتزايدة. ويرى أتكيس ومسؤولون فلسطينيون أن الجدار حلقة جديدة في مخطط إفراغ المنطقة من سكانها، وهو ما ظهر خلال العامين الماضيين عندما اضطر نحو 500 فلسطيني للنزوح تحت ضغط الاعتداءات والاستيلاء على الأراضي والمراعي. وتوجد في المنطقة 16 مزرعة استيطانية غير مرخصة إلى جانب سبع مستوطنات قائمة، ما يعكس تسارعًا في بناء بنى استيطانية جديدة خلال العامين الماضيين.
وفي سياق متصل، عبّرت بريطانيا عن استياء شديد من استمرار تعطيل وصول المساعدات إلى قطاع غزة، داعية إلى فتح جميع المعابر لتأمين وصول إنساني غير مقيد. وانتقدت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر التأخير الكبير الذي عانت منه شحنة تضم أكثر من 1100 خيمة، والتي استغرقت عامًا كاملًا حتى وصلت إلى القطاع. وأعربت عن قلقها من أن مساعدات ممولة من بريطانيا لا تزال غير قادرة على الدخول رغم وقف إطلاق النار، مؤكدة أن الوضع الإنساني يتطلب تسريع الإجراءات دون شروط أو مماطلة.
وبينما تتشابك الملفات السياسية بين غزة وسوريا وغور الأردن والمساعدات الدولية، تبدو المنطقة أمام لحظة حساسة يختلط فيها الضغط الأمريكي بحسابات إسرائيل الداخلية، ويتقاطع فيها مصير اتفاق غزة مع قضايا الأمن الإقليمي، في وقت تبقى فيه التطورات الميدانية قابلة للتصعيد في أي لحظة، ما لم تُحدث وساطات الدوحة وواشنطن اختراقًا حقيقيًا يمنع انهيار التفاهمات الهشة القائمة.



