الثلاثاء, يناير 13, 2026
9.7 C
Beirut

غرفةٌ ضيّقة وفنان يرسم العالم على قماشة ” عبد الرحيم حسين”… وأمميّة تتّسع للعالم!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

هناك في العفيف كنا نجلس بمقهى رواق التابع لنقابة الفنانين نرسم انا وعبد الرحيم حسين  احلام المستقبل والحرية ونحن نشرب قناني البيرة دون احتساب عددها وكانت الساعات تمر سريعا دون ان نحس بها وكان يلتحق بِنَا رفاقنا العراقيين في منفاهم السوري فيتكلمون عن إسقاط دكتاتور بغداد وكأن من كان في دمشق حمامة وديعة  … ننام بعدها ساعات قليلة لنصحى في حي الأكراد وكنت اسميه حينها (مطبخ احلامنا) اذ كان الطلاب الكرد يسكنون هناك جماعات وأفراد وكان الليل يتحول الى جلسات نقاش على نغم البزق وكاسات العرق . كنت أحب في بعض الصباحات بصحبة بعض الرفاق ان نأكل الفول والفتات الدمشقية في ذلك المطعم الصغير مقابل مبنى البريد حيث كان هذا المطعم صورة سوريا فيأتي اليه الكثير من أهل المناطق فتجد ابن الدير والرقة والقامشلي وحمص والساحل فتختلط اللهجات وتتناغم اللغتين الكردية والعربية كتناغم البزق والعود …  في تلك المكتبة الصغيرة مقابل فندق الشام كانت تلك الفتاة بلباسها الشامي التقليدي وحجابها تضحك لطلتي وتقول لي اهلًا برفاقنا اللبنانيين وكانت تأخذني الى حيث الكتب الممنوعة من التداول فتحرص على ان تغلفها بجريدة حتى لا تلفت النظر وكنا نأخذ منها الممنوع المفيد، رغم كل القمع كانت الثقافة تتسرب من خلف ظهرهم والشباب يشترون الكتب ليتعلموا بين دفتي الكتاب صناعة الثورة وما العمل رغم بعض العثرات التي كانت كلما تقدمنا خطوة الى الأمام ارجعتنا خطوتان الى الوراء.

 كنا نجلس في مقهى هاڤانا بحضرة مظفر النواب ليخبرنا عن ثقته بالخلاص من (أولاد القحبة ) الدكتاتوريات .. أما فندق الشام فله كان الحصة الأكبر وفيه كانت تطبخ الأحلام الثورية بغفلة عن عيون المراقبة. 

كان عبد الرحيم حسين الفنان ابن عامودة يرسم مجتمعنا في لوحاته ويتحدى النظام بريشته وهو الملتزم الذي كانت تجمعنا غرفته في ركن الدين وفي الصباحات بعد ليل طويل وكاسات العرق والنقاشات في قهوة رواق في العفيف كنا نأكل الفول والفلافل وننام لساعات قليلة، لنستيقظ ونبدأ جولة جديدة من النقاش. 

كنت التقي عبد الرحيم حسين في تلك الغرفة الصغيرة في حي الاكراد لنحلم بالحياة والثورة والخبز ونناقش الكتب والافكار. كان عبد الرحيم حسين، في تلك الغرفة، يفرش اللوحة البيضاء كأنما يفتح نافذة جديدة على العالم. يدخل إليها بفرشاته كما يدخل عاشقٌ إلى حديقةٍ سرّية، ويبدأ برسم الحلم طبقة فوق طبقة، لونًا فوق لون، حتى يصبح البياض أرضًا قابلة للولادة. كانت الطيور تحوم فوق السنابل في لوحاته، تنقضّ بخفة لتسرق حبّة قمح، ثم تعود لتحلّق، كأنها تشارك في طقسٍ احتفاليّ للحرية.

وكانت النساء الكرديات يملأن المشهد بألوان أثوابهنَّ الزاهية؛ يسرن بخطواتٍ خفيفة فوق خطوط الرسم، كأنهنَّ من نسيج الضوء نفسه. تُزيّنهنَّ الهدبُ المشغول بالذاكرة، وترافقهنَّ ظلال جبالٍ بعيدة تُشبه حكايات الجدّات. في يد عبد الرحيم، لم تكن اللوحة مجرد رسم، بل وطنًا بديلًا ينمو على القماش كلما ضاق العالم، وحلمًا يكبر كلما حاولوا قمعه.

وفي الزوايا المضيئة من لوحاته، كانت النساء الكرديات يظهرن بثيابهن الزاهية؛ ألوانٌ لا تشبه سوى نفسها، تتدلّى من أطرافها حكاياتٌ من الجبل والريح والحرية. النساء في لوحات عبد الرحيم لم يكنّ أشخاصًا؛ كنّ وطنًا يتشكّل، ذاكرةً تمشي على أقدام رشيقة، جمالًا يواجه القمع مثلما تواجه السنابل ريح الحقول. وكان حضورهنّ يكمّل ما بدأناه نحن بالكلمات: ثورة تتّسع للجميع، حلمٌ يصعد من قاع اللوحة إلى أعلى السماء.

في تلك اللحظة، كان الفنّ نفسه شكلًا من أشكال المقاومة. كان عبد الرحيم يرسم ما أردنا قوله ولا نقدر، ويقول بالألوان ما يعجز عنه الحبر. كنا نرى في ضربات فرشاته ما يشبه خلاصًا صغيرًا:
أن اللوحة يمكن أن تكون وطنًا حين يضيق الوطن،
وأن اللون يمكن أن يكون سيفًا حين يُصادَر الصوت،
وأن السنابل والطيور والنساء الكرديات يمكن أن يصنعن عالمًا آخر…
عالمًا نجا من الخرائط، وعاش في قلب الثورة.

هناك في تلك الغرفة الضيقة، وفي دمشق التي كانت تتسع للأحلام حينًا وتضيق بها حينًا آخر، اكتشفنا أن هذا الوطن ضيّق، لا يكاد يتّسع لأفكارنا، ولا لخطواتنا حين نحاول السير خارج السياج الذي رسموه لنا. اكتشفنا أن الجدران ليست في البيوت فقط، بل في اللغة، وفي الذاكرة، وفي الهواء الذي نتنفسه. فكان لا بدّ لنا أن نحلم، ليس حلمًا عابرًا يأتي كطيفٍ ليلاً ويزول، بل حلمًا يُصِرّ أن يتحول إلى طريقة عيش.

كنا نحلم بتحطيم القيود، تلك القيود التي أحكمت قبضتها على أرواح الناس قبل أيديهم، قيود وُضعت كي يعتاد الإنسان على الانكماش، على أن يصير صغيرًا بحجم الخوف. وكنا نحلم برفع الحدود، تلك الخطوط التي رسموها على الخرائط لتقسيم الهواء وتقسيم الحلم، وكأن الروح تُحاصر بخطّ من حبر. كنّا نريد أن نعيد للعالم اتساعه الطبيعي، أن نعيد للإنسان حقّه في أن يتحرك بلا بوابات، بلا أسلاك، بلا عيون ترصد أنفاسه.

وحلمُنا الأكبر كان أن نبني أمميّة واسعة، أمميّة تُشبه ما نؤمن به: ثورة لا تنحصر في جغرافيا، وعدالة لا تتجزأ، وحرية لا تُمنَح من سلطة، بل تُنتزع من أجل الإنسان أينما كان. كنا نرى العالم حقلاً واحدًا، والناس سنابل من طينة واحدة، لا يفرّق بينها لون ولا لغة ولا حدود. كنا نرى أن الثورة ليست غضبًا عابرًا، بل مشروعًا أخلاقيًا يفتح أبوابًا جديدة للوجود، وأن الحرية ليست شعارًا نرفعه، بل خبزًا نتقاسمه وسماءً نعيش تحتها جميعًا.

وهكذا كنا، في تلك الغرفة الصغيرة، نخطّ ملامح عالمٍ كان أكبر من الوطن الذي أُريد له أن يكون ضيقًا، وأوسع من الخوف الذي أرادوه أن يُظلّلنا. كان يرسم، وكننا نحلم، ونتمرد في صمت… مؤمنين أن الأفكار حين تضيق بها البلاد، تصنع لنفسها وطنًا آخر، وطنًا ينبت في القلب قبل الخرائط. ولمّا كنا نحلم بثورة تتجاوز حدود المكان، كنا ندرك أن الثورة الحقيقية تبدأ من الداخل. تلك اللحظة التي يرفض فيها الإنسان أن يُختزل، أو يُعيد إنتاج قيوده بوعيه أو بلا وعي. وقد قال كارل ماركس في واحدة من أكثر عباراته شفافية:

“على الناس أن يحرروا أنفسهم، ففي النهاية لا تُحرّر الشعوب إلا نفسها.”

وكان لهذا القول وقعٌ خاص علينا، لأنه يعيد الثورة إلى أصلها الإنساني قبل السياسي.

فالحرية التي كنّا نبحث عنها ليست حالة تُمنَح، بل وعيٌ يتكوّن. وقد كتب أنطونيو غرامشي، وهو الذي فهم الطغيان من جذوره:

“الهيمنة الحقيقية تبدأ حين يَقبل المقهور صورته التي يرسمها له القاهر.”

وكان هذا القول يشبه مرآة تُعرّي كل ما حاولوا إخفاءه؛ فالثورة عندنا لم تكن فقط ضد سلطة، بل ضد الصورة التي أرادوا لنا أن نرتديها كقدَر.

وكنا نؤمن بأن الثورة لا تكون ثورة إن لم تُولد من معاناة الناس ومن أحلامهم. وقد قال تشي غيفارا، كأنما كان يتحدث عن تلك الغرفة الصغيرة التي كنا نحلم فيها:

“الثورة تُصنع من الحب. حين تحبّ العدالة والحرية، تصبح الثورة ضرورة.”

وكان الحب عندنا ليس عاطفة، بل قوة دافعة، تمنحنا يقينًا بأن العالم يمكن أن يُعاد تشكيله.

أما الحرية، تلك التي كانت تتوهج في حديثنا، فقد عبّرت عنها روزا لوكسمبورغ بعمق نادر:

“الحرية دائماً هي حرية المختلف.”

هذه العبارة وحدها كانت كافية لتفكيك كل أصنام الاستبداد التي تُعلّب الإنسان في قالب واحد، وتجعل من الاختلاف جريمة. كنا نرددها أحيانًا دون قصد، لأنها تُلخّص فلسفة العالم الذي نحلم به.

وكنّا نرى أن الثورة بلا وعي تتحول إلى طاقة بلا اتجاه، وأن الحرية بلا معرفة قد تُستَخدم ضد نفسها. ولذلك كانت عبارة ماركس الأخرى تصاحبنا:

“الفلاسفة فسّروا العالم بطرق مختلفة، لكن المهم هو تغييره.”

كان التغيير بالنسبة إلينا هدفًا وجوديًا، لا سياسيًا فقط، تغييرًا يبدأ من شكل التفكير، من القدرة على مواجهة الذات قبل مواجهة السلطة.

ولأننا كنا نؤمن بأن الثورة مشروع أخلاقي، كنا نعود إلى عبارة غرامشي الأكثر شهرة:

“تشاؤم العقل… تفاؤل الإرادة.”

فالعقل كان يرى حجم الجدار، أما الإرادة فكانت ترى الشقّ الذي يمكن أن يدخل منه الضوء.

وهكذا، في تلك الغرفة التي كانت تضيق بنا كجسد وتتسع بنا كروح، كنّا نرى أن الثورة ليست لحظة غضب، بل إعادة اختراع للإنسان، وأن الحرية ليست عبورًا من باب مغلق، بل عبور من داخلنا إلى معنى آخر للوجود. كل قول، كل فكرة، كل ريشة كان عبد الرحيم يمرّرها فوق القماش كانت جزءًا من هذا التكوين الجديد للعالم الذي نطمح إليه.

كنا نحلم بأممية واسعة، أممية يُصبح فيها الإنسان معيار الثورة، لا العرق ولا الحدود. وكان صوت لوكاتش يهمس في الخلفية:

“وعي الطبقة هو وعي الذات، ووعي الذات هو بداية التحرر.”

وكأن التحرر يبدأ عندما نرى أنفسنا كما يجب، لا كما أرادونا أن نرى.

وهكذا كانت الثورة بالنسبة لنا:
مسعى روحي بقدر ما هو سياسي،
فلسفة بقدر ما هو فعل،
ولادة جديدة للإنسان قبل أن تكون ولادة جديدة للوطن.

ما بعد العاصفة

بعد الثورة السورية، لم تعد الدنيا كما كانت، لا على مستوى الجغرافيا ولا على مستوى الإنسان. تشقّقت الخرائط، وتغيّر شكل المدن، وتكسّرت مرايا كانت تخدعنا بصورة وطنٍ متماسك. لكن تحت هذا الركام، بقي ما هو أثمن: بقيت الحقيقة التي لا يمكن طمسها، حقيقة أن الإنسان حين ينهض مرة، لا يعود كما كان.

ربما لم تنتصر الثورة بالمعنى التقليدي للنصر، ولم تنكسر بالمعنى الكامل للهزيمة. لقد دخلت في الزمن، وصارت جزءًا من ذاكرة العالم، من ذاكرة الروح. فليس كل ما يبدأ في الشارع ينتهي فيه، وليس كل ما ينكسر يُدفن. هناك كسرٌ يُنتج ضوءًا، وهناك جرحٌ يتحوّل إلى نافذة.

ما بعد الثورة السورية هو زمنٌ آخر، زمن الأسئلة المفتوحة والحقائق العارية. زمنٌ تتقدّم فيه أجيال جديدة، لا تحمل الخوف القديم، ولا ترث خضوعًا تعوّد عليه من سبقها.
زمنٌ يعلّمنا أن الأرض مهما ثقلت عليها الدماء، ستلد يومًا ما يشبه شمسًا جديدة.

ربما تهدأ العاصفة، وربما يتبدّل المشهد، لكن ما لا يتغيّر هو ذلك الشرط الإنساني العميق الذي صاغته الثورة:
أن الإنسان، حين يرى نفسه، لا يمكن لأحد أن يعيده إلى الظل.
أن الحرية، حين تتذوّقها الروح، لا تنساها.
أن الألم، مهما طال، لا يقتل الحلم بل يختبره.

الدنيا بعد الثورة السورية ليست دنيا بلا جروح، لكنها أيضًا ليست دنيا بلا معنى. ففي قلب الخراب، تتفتح أسئلة جديدة عن المستقبل، عن الوقت الذي سيأتي، عن البلد الذي سيولد من بين الرماد. وما دام هناك من يحفظ ذكرى الحرية ولو همسًا، فذلك وحده كافٍ لتبقى البلاد قابلة للشفاء.

ربما يحتاج العالم إلى سنوات طويلة ليصغي لما قالته سوريا، لكن التاريخ لا ينسى، والذاكرة لا تسقط، والإنسان الذي نهض مرة… لا يعود مقيدًا.


سلام من صبى بردى أرق ودمع لا يكفكف يا دمشق.

هذه ليست نهاية الثورة.
هذه بداية العالم الذي يأتي بعدها.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

حركة الشباب الكرد في إيران: احتجاجٌ حيّ وذاكرة لا تنطفئ

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد يلعب الشباب الكرد في إيران اليوم دورًا محوريًا في...

سوريا: هجوم سيبراني على مواقع حكومية والجيش يعزز يصدّ تسللات لـ”قسد” في الرقة .. والنازحون يعودون

أخباركم – أخبارنا تقرير سوريا تتسارع التطورات الميدانية في سوريا على وقع توتر أمني...

حركة موفدين بلا اختراق والمنطقة على صفيح ساخن… عناوين ومختارات من الصحف

أخباركم - أخبارنا.عكست الصحف اللبنانية الصادرة اليوم مناخاً ثقيلاً يخيّم على البلاد، في ظلّ...

More like this

“الوِحْدَة السَّائِرَة” جديد الفنّان هياف ياسين

أخباركم - أخبارنا / كتبت هالة نهرا "الوحدة السائرة" هو العنوان الذي يُدثّر العمل الموسيقيّ...

الأب غييرمي في ضيافة جامعة الروح القدس – الكسليك: ثقوا بالأحلام

أخباركم - أخبارنا  استضافت جامعة الروح القدس – الكسليك الأب البرتغالي غييرمي بيكسوتو في قداس...

باسيل من البترون: المطلوب تنشئة الطلاب على فكر وطني سليم

أخباركم - أخبارنا أشار رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل إلى أن "لبنان هو...