أخباركم – أخبارنا
كتب إبراهيم بيرم
تجمع الأوساط السياسية في بيروت على أنّ التعميم الذي صدر أخيرًا عن أعلى السلطات المالية العراقية، وقضى بإدراج “حزب الله” على لائحة “الجماعات الإرهابية” مع ما يترتّب على ذلك من تداعيات سلبية على مختلف الصعد، لم يكن مجرّد “خطأ إداري” كما حاولت السلطات العراقية الإيحاء عند إعلان تراجعها عنه بعد ساعات واعتباره كأنّه لم يكن.
فالخطوة، وفق قراءات سياسية متعددة، تعكس طبيعة الصراعات الحادّة بين المكوّنات العراقية والتي بلغت ذروتها مع دخول البلاد في مخاض تشكيل حكومة جديدة عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهو مخاض اعتادت عليه بغداد منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، حيث تستغرق عملية التأليف أشهراً وتنتهي غالباً بـ”ولادة قيصرية”.
لكن ما هو أعمق من ذلك، أن الخطوة العراقية تأتي في سياق الصراع المستمر بين النفوذين الإيراني والأميركي. فمنذ سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد الحليف التاريخي لطهران عن جزء كبير من الجغرافيا السورية، وبعد الضربة القاسية التي تعرض لها “حزب الله” في لبنان، مضت واشنطن في مسار واضح يستهدف تجفيف أذرع إيران الإقليمية وإضعاف ركائز نفوذها الذي ترسّخ خلال العقود الثلاثة الماضية.
رسالة أميركية “اختبارية”؟
في أوساط قريبة من “حزب الله”، فُسّر القرار العراقي بأنه “مجسّ أميركي” صُمّم بعناية لاختبار حجم التعاطف الشعبي والسياسي العراقي مع الحزب ومحور المقاومة. كما يشكل، في توقيته السياسي، رسالة مباشرة إلى القوى العراقية المنخرطة في عملية تشكيل الحكومة الجديدة، فحواها أنّ الطريق إلى دعم واشنطن ورضاها يمرّ عبر التعهّد بالمشاركة الفعلية في حملة “تجفيف مصادر تمويل الحزب” أينما وُجدت.
وبحسب هذه القراءة، فإن الهدف الأميركي هو ضرب ركائز قوة الحزب المالية والثقافية والاجتماعية تمهيدًا لإفقاده القدرة على الفعل داخل بيئته. فبعد استهداف بنيته العسكرية، يأتي الدور على بنيته الداخلية الحاضنة، في محاولة لمنع أي نهوض مستقبلي له.
العراق… “المدى الحيوي” الجديد للحزب بعد سوريا
تعتبر واشنطن أن العراق، بعد 2003، تحوّل إلى أحد مصادر التمويل التي يصل عبرها جزء من دعم طهران المالي للحزب، وهو ما ينسجم مع وجود قوى عراقية تتقاطع مع توجهات الحزب وتسهّل مرور عائدات له بأشكال مختلفة.
ولذلك، ليس مستغربًا أن تكون لدى السلطات اللبنانية تعليمات بالتشدد في تفتيش الزوار اللبنانيين العائدين من زيارة العتبات المقدسة، نظرًا لتقديرات أُرسلت إلى بيروت تفيد بأن العراق أصبح من البلدان التي تؤمّن جزءًا من التمويل.
ويُعدّ العراق أحد بلدين فقط يُتاح لعناصر الحزب وقياداته دخول أراضيهما بسهولة، إما لزيارة المواقع الدينية أو للقاء مرجعيات النجف وكربلاء أو قوى حليفة محلية وإقليمية. وبذلك، أصبح العراق بعد خسارة الحزب للساحة السورية، “الملعب الخلفي” الذي يتيح له ممارسة أنشطة مالية ودينية وشبكة مصالح اقتصادية متنامية، خصوصًا في النجف وكربلاء.
وتشير تقديرات أميركية إلى أنّ من أصل نحو 80 مليون دولار شهريًا تصل إلى الحزب، فإن قنوات العراق تساهم بنقل حوالى نصف هذا المبلغ.
الخطوة قصيرة… لكن مفاعيلها طويلة
برغم أن التعميم العراقي لم يستمر سوى ساعات، إلا أنّ مفاعيله السياسية والاستراتيجية ستكون طويلة الأمد، سواء لجهة الرسائل الأميركية المباشرة أو لجهة وضع العراق نفسه في قلب المواجهة المقبلة.
بالنسبة إلى الحزب، الخطوة واضحة الدلالة:
المعركة الأميركية لا تعرف حدودًا جغرافية، والعراق سيتحوّل إلى أحد ميادين الضغط الأساسية في المرحلة المقبلة، وسيُمنع الحزب من الإحساس بالأمان أو الاطمئنان.
هكذا، تُقرأ خطوة بغداد في سياق صراع إقليمي مفتوح، تتداخل فيه الحسابات الداخلية العراقية مع الاستراتيجيات الأميركية الأشمل، في مواجهة مستمرة مع “حزب الله” ومحور المقاومة.



