أخباركم – أخبارنا
مع مرور الوقت واتساع التحولات السياسية والميدانية في الشمال السوري، برز سؤال جوهري في النقاش العام:
هل قدّم أحمد الشرع، المعروف بأبي محمد الجولاني، نموذجًا مختلفًا عن نموذج بشار الأسد في الحكم؟
الإجابة ليست بسيطة، لأنها تقع عند تقاطعات معقّدة بين الشكل والمضمون، بين الخطاب والممارسة، وبين الصورة الجديدة والواقع القديم.
من حيث الشكل والخطاب، يبدو أن الجولاني حاول خلال السنوات الأخيرة تقديم صورة مغايرة جذريًا لبشار الأسد. فقد تخلى عن ظهوره العسكري، واعتمد خطابًا مدنيًا أكثر مرونة، وشارك في مقابلات علنية، وطرح نفسه “رجل دولة محلية” لا “أميرًا جهاديًا”. كما انفتح على فعاليات المجتمع المدني، وسمح بنشاط بعض المنظمات، وقدّم نفسه حاميًا للاستقرار في منطقة مضطربة. هذه السمات جعلت صورته مختلفة عن الصورة التقليدية للنظام السوري الذي حكم لعقود عبر بنية أمنية مغلقة ومركزية شديدة.
لكن حين ننظر إلى الممارسة الأمنية والسياسية الفعلية، يتراجع هذا الاختلاف بوضوح. فالجولاني، رغم تعديلات الصورة، حافظ على جوهر السلطة الأحادية، من خلال احتكار السلاح والقرار السياسي وهيمنة جهاز أمني قوي يمارس الاعتقال والملاحقة وتقييد الإعلام ومنع أي منافسة سياسية داخل المنطقة. كما بقي القضاء في مناطق سيطرته غير مستقل بالكامل، إذ تخضع قراراته في النهاية لسلطة الهيئة، فيما جرى إضعاف أو إخراج الفصائل المعارضة بالقوة.
بمعنى آخر، قد تختلف الأدوات، لكن البنية السلطوية لم تتفكك.
وفي إدارة المجتمع والخدمات، قدّم الجولاني نموذجًا أكثر فاعلية مقارنة بالنظام في مناطقه: تنظيم الأسواق، دعم البلديات، ضبط الأمن، إدارة المعابر، والمساهمة في مشاريع خدمية. لكن هذه الإدارة، رغم فائدتها الجزئية، تُستخدم أيضًا كوسيلة تثبيت سلطة، تمامًا كما تفعل الأنظمة الشمولية الحديثة التي تمنح خدمات محسوبة لإدامة السيطرة.
أما في العلاقة مع الخارج، فقد أبدى الجولاني مرونة سياسية لافتة. قطع صلاته العلنية بتنظيم القاعدة، وأرسل إشارات متكررة للجهات الدولية بأنه مستعد للانخراط في معادلات سياسية جديدة. في المقابل، بقي الأسد محصورًا داخل تحالف صلب ومغلق مع إيران وروسيا، غير قادر على تغيير موقعه الجيوسياسي أو تعديله.
هذه الفوارق تُظهر أن الجولاني قدّم شكليًا نموذجًا جديدًا، أكثر انفتاحًا وبراغماتية، وأقل صدامية مع المجتمع الدولي. لكنه، في العمق، لم يقدم بديلاً ديمقراطيًا أو تعدديًا. ما زال يحكم بيد واحدة، وإن بملابس مدنية وابتسامة أمام الكاميرا، وما زالت السلطة عنده مركّزة وحاسمة، وإن جاءت بآليات أكثر ليونة من منظومة الأسد.
قدّم أحمد الشرع نموذجًا مختلفًا عن بشار الأسد من حيث الخطاب، والصورة، وإدارة التفاصيل اليومية، والمرونة السياسية. لكنه لم يقدّم بديلًا حقيقيًا لمنظومة الحكم السلطوية التي عرفتها سوريا. إنه انتقال من السلطوية الكلاسيكية إلى سلطوية معدّلة تتكيّف مع واقع جديد، لا إلى نموذج حكم حرّ أو تعددي.
الفرق بين الرجلين هو فرق في الأسلوب، لا في جوهر السلطة.



