أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
بعد خطاب النصر الذي ألقاه الرئيس السوري أحمد الشرع قبل دقائق، والذي دعا فيه إلى «المصالحة» و«قطع الاستبداد والاستعباد»، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت هذه الرسائل المعلنة ستترجم إلى خطوات سياسية واقعية تُعيد بناء الثقة بين الدولة الجديدة ومكوّنات المجتمع السوري، وخصوصًا الأقليات الدينية والقومية التي دفعت أثمانًا باهظة خلال سنوات الصراع.
ورغم أن الشرع رفع سقف الخطاب السياسي بدعوته إلى “مصالحة بلا استبداد”، إلا أن هذه الرسالة تثير أسئلة مباشرة حول حقوق الأقليات، وخصوصًا بعد الانتهاكات التي شهدتها مناطق السويداء والساحل على أيدي مجموعات مسلّحة ذات طابع إسلامي خلال سنوات التفكك الأمني التي سبقت سقوط النظام.
حقوق الأقليات بين الخطاب والالتزام السياسي
خطاب المصالحة — في الدول الخارجة من نزاعات داخلية — لا يكتمل من دون اعتراف صريح بحقوق الأقليات القومية والدينية.
وفي الحالة السورية، هذا يشمل:
- الاعتراف السياسي بحقوق الكرد
- ضمان الحضور السياسي للمسيحيين والدروز
- حماية الطائفة العلوية من أي انتقام أو تهميش
- دستور مدني يضمن المساواة الكاملة لجميع السوريين
حتى اللحظة، خطاب الشرع يفتح الباب لهذه الأسئلة، لكنه لم يقدّم بعد إطارًا دستوريًا واضحًا يثبت أن المصالحة ستقوم على المساواة الحقيقية لا على الرمزية السياسية.
السويداء والساحل… جروح مفتوحة
تشير تقارير حقوقية محلية وشهادات ميدانية إلى أن مناطق السويداء ذات الغالبية الدرزية، إضافة إلى القرى والبلدات في الساحل ذو الغالبية العلوية، شهدت خلال السنوات الماضية انتهاكات متعدّدة ارتكبتها ميليشيات إسلامية مسلّحة خلال مرحلة الانهيار الأمني.
وتنوعت هذه الانتهاكات بين:
- اعتداءات على المدنيين
- اعتقالات تعسفية
- تضييق على أنماط الحياة الدينية
- استخدام العنف لفرض السيطرة
- ابتزاز اقتصادي وأمني
- تهجير قسري في بعض المناطق
هذه الوقائع — التي بقيت بلا محاسبة حتى الآن — تمثل اختبارًا جديًا لصدقية دعوة الشرع إلى إنهاء “الاستبداد والاستعباد”.
فإذا كانت الدولة الجديدة تعتبر نفسها قادرة على كسر إرث الاستبداد، فإن أول خطوة على هذا الطريق تكون:
المحاسبة الواضحة لمن ارتكب الانتهاكات، بغض النظر عن انتمائه السياسي أو الديني أو الفصائلي.
هل تشمل المحاسبة الميليشيات الإسلامية؟
هذا السؤال يُطرح اليوم بحدة:
إذا كان الشرع يرفض الاستبداد والاستعباد، فهل سيحاسب القوى التي مارست هذين السلوكين، حتى لو كانت جزءًا من المشهد المعارض أو من الجماعات التي قاتلت النظام السابق؟
في السويداء والساحل تحديدًا، تُتهم جماعات إسلامية مسلّحة بممارسات تتعارض بشكل مباشر مع خطاب الشرع حول العدالة والدولة المدنية.
وتجاهل هذه الملفات سيجعل المصالحة مجرّد عنوان لا مضمون له.
المصالحة الحقيقية ليست شعارًا سياسيًا
لتكون خطوة الشرع بداية لمسار حقيقي، لا بد من:
- إطلاق عملية عدالة انتقالية مستقلة
تشمل لجان تحقيق ومحاكمات علنية وتوثيق الانتهاكات. - الاعتراف الرسمي بحقوق الأقليات القومية والدينية
بما فيها المشاركة الكاملة في الحكم. - تحديد مستقبل الجماعات المسلحة
ودمج من لا يرتكب انتهاكات، ومحاسبة من يثبت تورطه. - صياغة دستور مدني يضمن المساواة
ولا يخضع لسلطة أي تيار ديني أو أيديولوجي.
خطاب الشرع فتح نافذة أمل، لكنه في الوقت نفسه فتح ملفًا ثقيلًا يتطلّب قرارات شجاعة:
- هل ستكون المصالحة اعترافًا بحقوق جميع السوريين؟
- وهل سيحاسب كل من ارتكب انتهاكات في السويداء والساحل، حتى لو كان ينتمي إلى ميليشيات إسلامية؟
- وهل تستطيع الدولة الانتقالية أن تنهي فعليًا إرث الاستبداد، لا أن ترفع شعاراته؟
الإجابة على هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت سوريا تدخل مرحلة جديدة… أم تعيد إنتاج صراعاتها تحت عناوين مختلفة.



