أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
تتزاحم التطورات على الساحة اللبنانية في لحظة سياسية حسّاسة، تمتدّ من بيروت إلى واشنطن وباريس، مروراً بمسقط التي يتوجّه إليها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بحثاً عن أدوار إقليمية داعمة للمسار التفاوضي.
وفي الخلفية، تعيد الولايات المتحدة حساباتها حيال زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، في ما يشبه توازن الخطوات المدروسة بين ملف السلاح ومطلب الإصلاحات والانتخابات، فيما يكشف السفير الأميركي ميشال عيسى عن اتصالات لاحتمال تثبيت الزيارة رغم الضباب السياسي الذي يلفّ الموقف الأميركي.
بالتوازي، يدخل الموفد الفرنسي جان إيف لودريان مجدداً إلى المشهد اللبناني، محمّلاً بنصائح الإليزيه حول ضرورة ضبط السلاح وتحصين المسار الدبلوماسي عبر “الميكانيزم”، وسط تثمين رئاسي للدور الفرنسي ولتسمية السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني إلى اللجنة. وفيما تتكثف الضغوط الدولية لفرض أولويات الأمن وترتيبات ما بعد اليونيفيل، تتقاطع المواقف الداخلية بين دعم للحوار وتمسّك بخيار الدولة، وبين تحذيرات من حرب محتملة ما لم تنفّذ الحكومة قرار حصرية السلاح.
وتتخذ الحركة السياسية طابعاً أكثر احتداماً مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، حيث تتصاعد السجالات بين عين التينة ومعراب حول الصلاحيات والنوايا، فيما يطلّ البطريرك الماروني برسالة تفاؤل عن “فجر سلام” يلوح مع انطلاق التفاوض وتفعيل المساعي الدولية. وبين المواقف الروسية الداعمة، والمساعي الأوروبية لتعزيز الأجهزة الشرعية، وتفاعلات الداخل المشتعل، يحاول لبنان تثبيت موقعه على طاولة الحلول، من دون الانزلاق إلى حرب أو التفريط بالأمن، في وقت يفرض الخارج إيقاعه على الملفات المصيرية.
فقبل ساعات من مغادرة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى سلطنة عُمان، التي تتحرك كوسيط سري ومؤثر في مجمل خلافات المنطقة، ومع وصول الموفد الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت لنقل نصائح الإليزيه بضرورة حصر السلاح تجنباً للحرب، وبعد تعيين السفير سيمون كرم في لجنة الميكانيزم، برزت إشارة لافتة من واشنطن تُظهر أنها تعيد التفكير بزيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، في خطوة يمكن إدراجها في خانة «خطوة مقابل خطوة»، لكنها تبقى غير كافية بالنسبة للبنان الذي يعتبر أن المطلوب أكبر من تعيين سفير يحظى برضا الإدارة الأميركية الداعية عملياً إلى نزع سلاح حزب الله، أو على حد تعبير مبعوثها توم براك، «منعه من استعماله»، وإقامة حوار مباشر بين لبنان وإسرائيل خارج إطار الميكانيزم.
ومن وزارة الخارجية التي جمعته بوزير الخارجية يوسف رجي عقب اجتماع رباعي، أطلق السفير الأميركي ميشال عيسى مواقف لافتة على خط بيروت – تل أبيب، خصوصاً بعد نقل موقف عن براك يفيد بأن عيسى سيتولى مهمة إقامة حوار مباشر بين لبنان وإسرائيل خارج إطار الميكانيزم. وقال عيسى بعد لقائه رجي إن هناك «اتصالات لعودة زيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى واشنطن»، معرباً عن اعتقاده بأن «الزيارة ستتم»، رغم عدم تحديد موعد نهائي لها. ونفى علمه بأي توجه لضم لبنان وسوريا ضمن سلة تفاوضية واحدة، مؤكداً في ما يتعلق باجتماعات الميكانيزم أن أحداً لم يتوقع السلام من الاجتماع الأول، وأن الأطراف تحتاج لأن تلتقي وتطرح ما لديها على الطاولة.
وفي قصر بعبدا، أكد رئيس الجمهورية أمام لودريان، بحضور السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو، أن لبنان يرحب بأي دور فرنسي في لجنة الميكانيزم يسهم في تحقيق أهداف المفاوضات لتطبيق القرار 1701، بما يشمل وقف الأعمال العدائية، انسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها في الجنوب، إطلاق الأسرى اللبنانيين، ومعالجة النقاط العالقة على الخط الأزرق. وشدد على أن مواقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الداعمة للبنان تعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، وأن بيروت حريصة على تطويرها.
وشرح الرئيس عون للموفد الفرنسي المعطيات التي أدت إلى تفعيل اجتماعات لجنة الميكانيزم وتسمية السفير سيمون كرم لرئاسة الوفد اللبناني، مشيراً إلى أن اجتماع 19 كانون الأول سيبدأ البحث في النقاط المطروحة وفق الأولويات. وأضاف أن تحريك اجتماعات الميكانيزم يعكس رغبة لبنان في التفاوض لإيجاد حلول ديبلوماسية لأنه لا يريد الحرب، معتبراً أن ردود الفعل الإيجابية العربية والدولية على الخطوة اللبنانية خففت جزءاً كبيراً من الضغط الناتج عن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة.
وجدّد الرئيس عون رفضه للاتهامات التي تتحدث عن عدم قيام الجيش اللبناني بدوره في جنوب الليطاني، مؤكداً أن الجيش نفذ مهامه كاملة منذ انتشاره قبل عام، وقدّم 12 شهيداً أثناء تأديته واجباته كما حدّدتها القيادة، وأن قيادة «اليونيفيل» نفسها أثنت على أداء الجيش، كما لمس ذلك سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن خلال زيارتهم الأخيرة للجنوب. وأكد أن الجيش جاهز للتعاون مع لجنة الميكانيزم، وأن القول إنه لا يقوم بمهامه ادعاء غير صحيح. كما لفت إلى أن القوات الإسرائيلية تواصل تدمير المنازل والممتلكات في الجنوب ولا تسمح للجيش أو اليونيفيل أو لجنة الميكانيزم بالتأكد من خلوها من عناصر مسلحة، مجدداً التأكيد على التنسيق الكامل بين الجيش واليونيفيل، والحاجة لتأمين العتاد والتجهيزات الضرورية ليستطيع تنفيذ المهام الموكلة إليه في الجنوب وسائر الأراضي اللبنانية.
وفي ما يتعلق بمرحلة ما بعد انسحاب اليونيفيل في 2027، أوضح الرئيس عون أن لبنان يرحب بالرغبة الأوروبية في الاستمرار بالمساهمة بضبط الحدود بالتعاون مع الجيش بعد وضع الأطر القانونية اللازمة. وشدد على أهمية حصول الجيش على الدعم المطلوب، مؤكداً أنه سيتحمل مسؤولياته في حماية الحدود سواء توفر الدعم أو لم يتوفر. كما أمل في تحديد موعد لمؤتمر دعم الجيش والقوى المسلحة الذي يُبحث بين فرنسا والولايات المتحدة والسعودية في 18 كانون الأول في باريس.
وفي الشق الانتخابي، أكد رئيس الجمهورية أن الرؤساء الثلاثة مصممون على إجراء الانتخابات في موعدها، وأن وزارة الداخلية تنجز التحضيرات اللازمة، وأن مسألة تعديل القانون الانتخابي تعود لمجلس النواب وحده. وفي المقابل، نقل لودريان تحيات ماكرون وتأكيده دعم خطوات الرئيس عون بتفعيل لجنة الميكانيزم وتسمية السفير كرم، مشدداً على وقوف فرنسا إلى جانب لبنان. كما أشار إلى التأثير الإيجابي لزيارة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان، وإلى أن مواقف الحبر الأعظم أعادت تسليط الضوء على سيادة لبنان وأهمية دوره.
ولودريان اطلع على موقف بيروت قبيل اجتماع باريس في 18 كانون الجاري الذي سيضم الموفدة الأميركية مورغان أورتيغاس والمستشارة الفرنسية آن كلير لوجاندر والموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان وقائد الجيش رودولف هيكل للتحضير لمؤتمر دعم الجيش المنتظر مطلع العام المقبل. وسيلتقي لودريان رئيس مجلس النواب نبيه بري في اليوم التالي.
وفي موازاة الحركة الفرنسية، زار السفير الأميركي ميشال عيسى وزير الداخلية أحمد الحجار، حيث عرض الطرفان المستجدات اللبنانية والإقليمية، وتناول اللقاء الإصلاحات التي تنفذها الوزارة والتحضيرات للانتخابات النيابية المقبلة.
ومن قصر بعبدا أيضاً، بثّ البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي مناخاً تفاؤلياً، قائلاً إن لبنان بات «في زمن التفاوض وفجر السلام حط رحاله». وأكد أن الجيش يقوم بعمله في جنوب الليطاني، معبّراً عن عدم تخوفه من حرب، وقائلاً إن «الأميركي يمون على الإسرائيلي»، وإن الزمن هو زمن الديبلوماسية. واعتبر أن المباشرة بالمفاوضات خطوة جيدة، وأن السفير سيمون كرم «شخصية ممتازة» للمهمة. وأضاف أن رئيس الجمهورية فوق الجميع، وأنه لا هوة بينه وبين البطريركية، مشيراً إلى التفاؤل الذي تبع زيارة البابا.
كما استقبل الرئيس عون السفير الروسي ألكسندر روداكوف الذي أكد دعم موسكو لمواقف لبنان، خصوصاً في ملف الميكانيزم، ورغبتها في تعزيز العلاقات الثنائية.
وفي موازاة ذلك، أظهرت وثيقة أوروبية اطّلعت عليها «رويترز» أن الاتحاد الأوروبي يدرس خيارات لتعزيز قوى الأمن الداخلي لتخفيف العبء عن الجيش كي يتمكن من التركيز على مهمة نزع سلاح حزب الله. وتنص الوثيقة على أن المساعدة الأوروبية ستتركز على المشورة والتدريب وبناء القدرات، وأن الاتحاد لا يعتزم تولي مهام اليونيفيل التي سيبدأ انسحابها التدريجي نهاية 2026. ويُفترض بالأمم المتحدة إعداد خطة انتقالية في حزيران 2026 لمعالجة المخاطر الناتجة عن انسحاب القوة الدولية.
وفي المواقف السياسية، قال النائب فادي كرم إن السلام الحقيقي يحتاج أفعالاً صادقة لا شعارات، وإن الوصول إلى سلام في لبنان يتطلب دولة فعلية ومؤسسات قادرة تفرض سلطتها على كل الأراضي. واعتبر أن فريق الممانعة يريد السيطرة على أي مفاوضات مستقبلية كما في الماضي، لكن السفير سيمون كرم شخصية محترمة لن يستطيعوا السيطرة عليه. وذكّر بأن الحكومة اتخذت قراراً بحصر السلاح في 5 و7 آب الماضي، لكن وزراء الممانعة يعملون ضده علناً، وأن عدم تنفيذ هذا القرار سيجعل المجتمع الدولي غير جدي في التعامل مع لبنان. وأضاف أن تسليم سلاح حزب الله للجيش ليس استسلاماً بل حماية للبنان من حرب إسرائيلية واسعة في حال عدم تطبيق خطة حصرية السلاح.
أما وزير العدل عادل نصار، فاعتبر أن مواجهة إسرائيل لا تكون بالذهاب إلى ملعبها العسكري، وأن الاستمرار في التهديد بالسلاح يخدم الرواية الإسرائيلية، داعياً إلى تنفيذ قرار حصرية السلاح كي تمتلك الدولة المقومات اللازمة للتفاوض بقوة. وقال إنه لا يمكن التكهن بما ستقوم به إسرائيل، لكن على حزب الله أن يبادر إلى حماية المجتمع بتسليم سلاحه بدلاً من التشكيك في أداء الحكومة.
انتخابياً، رد النائب علي حسن خليل على رسالة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع التي طلب فيها من رئيس المجلس «أن يرحمنا انتخابياً»، فقال إن إجراء الانتخابات في موعدها ثابت، وإن صلاحيات رئيس المجلس دستورية ولا تقبل المصادرة، متهماً القوات بمحاولة استغلال اللحظة السياسية. وذكّر بأن كتلة القوات عطّلت النقاش في اقتراح تعديل قانون الانتخابات، وأن صلاحية رئيس المجلس لا تخضع لوصاية أحد.
وفي سياق آخر، كتب جعجع عبر منصة «إكس» مهنئاً الشعب السوري والرئيس والحكومة بمرور سنة على سقوط نظام الأسد، معتبراً أن سوريا الجديدة بدأت مساراً مختلفاً جذرياً عن العقود الماضية.



