أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لم يكن خروج الشارع السُّني في لبنان للاحتفال بالذكرى الأولى لسقوط نظام بشار الأسد مجرّد تحرك عابر، بل جاء في لحظة سياسية حساسة تعيش فيها الطائفة حالة فراغ قيادي واضح منذ سنوات، ما يجعلها تتحرك في اتجاه أي حدث يمكن أن يمنحها شعورًا بالهوية الجماعية أو يعيد صياغة حضورها في المشهد الوطني.
فالاحتفال بسقوط النظام السوري لم يكن فقط تعبيرًا سياسيًا، بل أيضًا فعلًا رمزيًا يلامس إرثًا طويلاً من العلاقة المتوترة بين جزء كبير من الشارع السُّني والدور الذي لعبه النظام السوري في لبنان لعقود، إضافة إلى المسار الدموي الذي شهدته الثورة السورية.
حزب الله… ردّ فعل يكشف عمق الأزمة مع الشعب السوري
في المقابل، لم تمرّ المناسبة بهدوء. فوفق ما نقلته مصادر ميدانية وإعلامية، عمد حزب الله إلى إرسال مجموعات حزبية للاحتكاك بالمسيرات التي خرجت احتفالًا، في محاولة واضحة لاحتواء الحدث وتقليل رمزيته، وربما لمنع تحوّله إلى مظلة تعبئة سياسية داخل الشارع السُّني.
هذا السلوك يعكس جانبًا حساسًا في علاقة الحزب بالملف السوري:
فرغم الخطاب الهادئ الذي تعتمده قياداته منذ سقوط الأسد، إلا أنّ الجُرح السوري ما زال مفتوحًا داخل بنية الحزب، الذي دفع كادره العسكري نحو حربٍ انتهت بنتائج سياسية وعسكرية لا تزال تُقرأ داخل قواعده بقدر كبير من الالتباس.
ومن هنا، تُفهم حدّة ردّه على أي مظاهر احتفالية بسقوط النظام السوري، إذ يرى فيها تحديًا مباشرًا لسرديته حول دوره في سوريا، وتذكيرًا بثمنٍ بشري ومادي دفعه الحزب في حرب انتهت من دون أن تنتج مكاسب استراتيجية توازي حجم التضحيات.
السنّة في لبنان… بين بحث عن قيادة ورغبة في استعادة المبادرة
التحرك الأخير أعاد تسليط الضوء على مأزق القيادة داخل الطائفة السنية:
– غياب زعامة جامعة،
– تشتت التمثيل السياسي،
– انعدام مشروع وطني واضح،
– شعور متنامٍ بالتهميش داخل الدولة.
هذه العوامل تجعل الطائفة أكثر قابلية للبحث عن رموز بديلة خارج الحدود التقليدية للعمل السياسي اللبناني، ومنها الرموز المرتبطة بالثورة السورية.
ماذا تكشف هذه المواجهة؟
- أن الطائفة السنية تحاول إعادة اكتشاف دورها بعد سنوات من الانكماش السياسي.
- أن حزب الله يعيش توترًا نفسيًا وسياسيًا تجاه أي تعبير مؤيد لسقوط النظام السوري.
- أن الذاكرة السورية لا تزال عاملًا تفجيريًا في الداخل اللبناني، رغم محاولة كثير من القوى تجاوزها.
- أن الأزمة الأعمق هي أزمة دولة عاجزة عن توفير إطار وطني جامع يخفف من هشاشة الطوائف.
لبنان، كما يبدو، دخل مرحلة جديدة تُعيد فيها الطوائف طرح أسئلة الهوية والدور.
والاحتكاك بين الشارع السُّني ومجموعات من حزب الله ليس حادثًا معزولًا، بل مؤشرًا على صراع رمزي يتجاوز الجغرافيا السورية ليعيد تعريف التوازنات اللبنانية نفسها.
فالسنّة يبحثون عن موقع…
وحزب الله يحمي سرديته…
والدولة تتفرّج من الهامش.
أزمة سرديات وزعامة ام أزمة حكم؟ .. نقد الفكر الطائفي
لم يكن خروج الشارع السني في لبنان للاحتفال بالذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد حدثًا عابرًا، بل مؤشّرًا على حالة الفراغ السياسي التي تعيشها الطائفة منذ سنوات. وهذا ما يجعلها تتشبّث بأي لحظة تحمل رمزية سياسية أو تمنحها شعورًا باستعادة دورها.
في هذا السياق، تصبح قراءة مهدي عامل للنظام الطائفي مفتاحًا لفهم المشهد. فهو يكتب في نقد الفكر الطائفي أن:
«الطائفية هي علاقة سياسية قبل أن تكون علاقة بين طوائف»
(مهدي عامل، نقد الفكر الطائفي)
وبذلك، لا تتحرك الطوائف بوصفها كيانات دينية أو اجتماعية، بل كأطر تُستثمر داخل نظام سياسي يبني شرعيته على هذه البُنى.
وهذا يظهر بوضوح اليوم في بحث الطائفة السنية عن موقع أو دور داخل دولة متصدّعة.
ردّ فعل حزب الله على الاحتفالات لم يكن معزولًا عن هذا الفهم. فدخوله على خطّ المواجهة يعكس — بحسب صياغة مهدي عامل في في الدولة الطائفية — الطبيعة البنيوية للنظام:
«في الدولة الطائفية، كل طائفة لا ترى في الأخرى شريكًا بل حدًّا لوجودها»
(مهدي عامل، في الدولة الطائفية)
لهذا، أي حراك داخل شارع سني يُقرأ داخل بيئة حزب الله لا كاحتفال سياسي فقط، بل كتهديد رمزي لسرديته ودوره في الحرب السورية، خصوصًا بعد سقوط النظام الذي قاتل الحزب دفاعًا عنه.
سقوط الأسد نفسه يعيد فتح سؤال مهدي عامل القديم حول الوظيفة السياسية للطائفية، إذ يقول:
«الطائفية لا تنتجها الطوائف بل تنتجها بنية سياسية تحتاج إليها»
(مهدي عامل، أزمة الحضارة العربية)
وبذلك، يصبح الاحتكاك بين السنة وحزب الله جزءًا من الصراع على إعادة تشكيل السلطة في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، أكثر منه نزاعًا بين طوائف.
إن قراءة هذه اللحظة عبر مهدي عامل تكشف أن:
– السنة يتحركون لأن الفراغ يُعيد تعريف موقعهم.
– حزب الله يتحرك لأن الخسارة الرمزية في سوريا لم تُهضم بعد.
– والدولة غائبة، ما يفتح المجال للطوائف لتتصرّف بوصفهم فاعلين سياسيين مستقلين.
وهو ما لخصه مهدي عامل في مقولته الأشهر:
«لا يقوم النظام الطائفي على الطوائف، بل على تفكك المجتمع إلى طوائف»
(مهدي عامل، في الدولة الطائفية)
اليوم، لبنان يعيش هذا التفكك بأوضح صوره:
– طائفة تبحث عن قائد،
– وطائفة تحرس سرديتها،
– ودولة عاجزة عن ضبط الشارع.
وهكذا يصبح الاحتفال بسقوط الأسد جزءًا من معركة أوسع، لا حول سوريا فقط، بل حول مستقبل لبنان نفسه داخل نظام طائفي يعيد إنتاج الصراع كلما فقدت السلطة مركزيتها.
ويبقى السؤال المفتوح: هل يُعاد إنتاج النظام اللبناني أم يُعاد رسم دولة لبنان الكبير؟
عند هذه النقطة، يبرز سؤال جوهري يتجاوز الاحتكاك بين الطوائف ويتقدّم على كل تفاصيل المشهد المحلي:
هل نحن أمام إعادة إنتاج للنظام الطائفي نفسه، أم على مشارف إعادة رسم لدولة لبنان الكبير؟
هذا السؤال يعود بقوة إلى لحظة شعار 17 تشرين «كلّن يعني كلّن»، الذي لم يكن مجرد صرخة غضب شعبية، بل إعلان فشل لبنية سياسية كاملة قامت على تقاسم السلطة بدل بناء الدولة. فالسؤال اليوم ليس فقط عن دور السنة أو حسابات حزب الله أو إرث سقوط النظام السوري، بل عن مستقبل الكيان نفسه:
هل يستعيد لبنان بنيته الأولى بوصفه دولة مركزية موحّدة تسعى إلى تجاوز انقساماتها؟
أم يُعاد تكريس نظام الطوائف بآلياته القديمة، كما يحلّل مهدي عامل حين يصف الدولة الطائفية بأنها «بنية تعيد إنتاج ذاتها عبر تفكك المجتمع»؟
إنّ الإجابة عن هذا السؤال لن تأتي من طائفة تبحث عن دور، ولا من حزب يحمي مكتسباته، بل من قدرة اللبنانيين — جميع اللبنانيين — على خلق لحظة سياسية جديدة تُخرج البلاد من أسر الطائفية إلى أفق دولة مدنية حديثة. وحتى ذلك الحين، سيبقى لبنان معلّقًا بين مشروعين:
مشروع يُعيد تدوير النظام كما هو،
ومشروع يحاول رسم مستقبل مختلف لدولة لبنان الكبير.



