أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
على خطّين متوازيين تتحرّك الدبلوماسية اللبنانية في سباقٍ مع الوقت: من بيروت التي تستقبل الموفد الفرنسي جان إيف لودريان محمّلاً بملفات الانتخابات ودعم الجيش وتثبيت وقف النار، إلى مسقط حيث يفتتح رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون صفحة جديدة مع سلطنة عُمان، الدولة التي أثبتت أنها مرجع إقليمي هادئ وفاعل في الوساطات وتسوية النزاعات.
مشهدان متزامنان يُعيدان لبنان إلى خريطة الاهتمام العربي والدولي، فيما يبقى جوهر الأزمة في الداخل: دولة تحاول استعادة زمام القرار، وواقعٌ مفروض بسلاح خارج الشرعية يعطّل المؤسسات ويكبّل قدرة الجيش على بسط سلطته.
زيارة عون إلى السلطنة، بما حملته من استقبال لافت ومحادثات معمّقة، تعزز فرص انفتاح اقتصادي واستثماري يحتاجه لبنان للخروج من دائرة الانهيار، وتمنح الدولة سنداً سياسياً إضافياً في مساعيها لتثبيت الاستقرار جنوباً.
وفي موازاة ذلك، يجول لودريان بين بعبدا وعين التينة واليرزة ومعراب وكليمنصو، مدفوعاً بقلق فرنسي واضح من استمرار العدوان الإسرائيلي جنوباً، ومصمماً على تأمين أرضية لإجراء الانتخابات في موعدها، وعلى تقوية المؤسسة العسكرية باعتبارها الجدار الأخير المتماسك في جمهورية مترنّحة.
وفي خلفية هذا الحراك، تبرز مؤشرات سياسية داخلية: تواصل خجول بين عون وجعجع، موقف قطري يرسّخ دعم الدولة والجيش، وتحذيرات كتائبية من محاولات تطويع القرار 1701 وتحويل الجنوب ساحة مستدامة لصراعات لا يدفع ثمنها إلا اللبنانيون. بين مسقط وبيروت، تعود الدولة إلى الواجهة… ويبقى الامتحان الأهم في قدرتها على فرض سيادتها كاملة والدخول في مرحلة لا مكان فيها لدويلة فوق الدولة.
ففي الوقت الذي يجول فيه الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان على المسؤولين اللبنانيين محاولاً فتح نافذة جدية على مسار الانتخابات المقبلة ودعم المؤسسة العسكرية، كان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يحطّ في سلطنة عمان، الدولة التي راكمت عبر سنوات موقعاً موثوقاً في الوساطة وحلّ النزاعات، فاتحةً أمام لبنان فرصة لتوسيع شبكة الدعم العربي والدولي في لحظة مفصلية.
زيارة عون إلى السلطنة بدأت باستقبال حافل عبّر من خلاله السلطان هيثم بن طارق عن اهتمام واضح بالوضع اللبناني وحرص على تطوير العلاقات الثنائية. وقد شكّلت المحادثات مناسبة لإعادة التأكيد على عمق الروابط بين البلدين، وفتح الباب أمام تعاون اقتصادي وتجاري وثقافي وتعليمي يتطلع اللبنانيون إليه في ظل أزمتهم الخانقة. وأشاد الرئيس عون، في تصريحاته فور وصوله، بالدور الحكيم والمسؤول الذي تضطلع به عمان في الإقليم، وبسياستها القائمة على الحوار والتوازن، مؤكداً أن لبنان ينظر إلى علاقته بالسلطنة كمساحة آمنة للتعاون والاستثمار.
وقد تخلّل الزيارة مراسم استقبال رسمية لافتة، من العروض العسكرية إلى إطلاق المدفعية مروراً بالمراسم التقليدية. وعقد عون والسلطان جلسة محادثات موسّعة حضرها كبار المسؤولين من الجانبين، تناولت ملفات عدة، أبرزها تطورات الجنوب اللبناني في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، وما حققه الجيش اللبناني في تطبيق القرار 1701 رغم التحديات. كما جرى بحث الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية، وتم الاتفاق على عقد اجتماع للجنة اللبنانية – العمانية المشتركة في مسقط برئاسة وزيري الخارجية، إلى جانب العمل على توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم جديدة تعزز التعاون الثنائي. وتلا ذلك خلوة ثنائية بين عون والسلطان دامت قرابة ساعة، قبل أن ينتقل الرئيس إلى جناحه للاستراحة.
وفي موازاة الحراك العماني، كان لودريان يواصل جولته في بيروت ضمن اليوم الثاني من زيارته، والتي حملت قدرة متجددة على جذب اهتمام دولي بالملف اللبناني المعلّق على حبال التجاذب بين الدولة والدويلة.
فقد التقى رئيس الجمهورية فور وصوله إلى بعبدا، قبل أن يتوجه إلى عين التينة للقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري، في جلسة استمرت أكثر من ساعة وتركّزت على الوضع العام والعلاقات الثنائية، وعلى الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب، وعلى ضرورة تثبيت وقف النار.
وأفادت معلومات بأن بري شدّد أمام ضيفه الفرنسي على أهمية وقف الاعتداءات، وبأن زيارة لودريان تأتي في سياق دعم باريس لتعيين السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني المفاوض في إطار الترتيبات المرتبطة بوقف العمليات العدائية.
ملف الانتخابات النيابية حضر بقوة في لقاءات لودريان، وسط تشديد فرنسي على ضرورة إجراء الاستحقاق في موعده وعدم تقديم أي إشارة سلبية خلال العهد الجديد.
وبعد عين التينة، توجّه الموفد الفرنسي إلى اليرزة حيث استقبله قائد الجيش العماد رودولف هيكل. وتركز اللقاء على حاجات المؤسسة العسكرية وسبل دعمها وسط التحديات الراهنة، خصوصاً في ظل دورها المحوري في الجنوب وعلى الحدود، وفي حفظ الاستقرار الداخلي.
المحطة التالية كانت في كليمنصو، حيث التقى لودريان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط. وتم التأكيد خلال اللقاء على دعم الخطوات الإيجابية التي اتخذتها الدولة، سواء في تكليف السفير سيمون كرم أو في الإجراءات التي يقوم بها الجيش. كما جرى بحث نقاط التفاوض حول وقف النار، ولا سيما تثبيت الهدنة وعودة الجنوبيين وتحرير الأسرى، إلى جانب دور فرنسا في المسار الإيجابي للعلاقات اللبنانية – السورية.
ثم تابع لودريان جولته نحو معراب، حيث استقبله رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في حضور عدد من نواب ومسؤولي الحزب والوفد المرافق للسفير الفرنسي. وتمحور الاجتماع حول المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني بمشاركة فرنسية – أميركية – سعودية، وأهمية إنجاز الانتخابات النيابية في موعدها.
لقاء مهم آخر ينتظر لودريان مساءً على مأدبة عشاء في قصر الصنوبر، حيث يجتمع برئيس الحكومة نواف سلام وعدد من الوزراء، في سياق محاولة فرنسية واضحة لتجميع خيوط دعم دولي للبنان في المرحلة المقبلة.
وعلى خط موازٍ للعلاقات الداخلية، برز تطور لافت في العلاقة بين رئيس الجمهورية وجعجع. فقد كشف رئيس جهاز الإعلام والتواصل في القوات، شارل جبور، عن حرص جعجع على إبقاء العلاقة قائمة رغم بعض التراكمات، مؤكداً حصول تواصل بعد زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، عبر قنوات محددة بين رئاسة الجمهورية والقوات. وأوضح جبور أن الحفاظ على هذا الخط المفتوح ضروري لمنع حزب الله من استغلال أي توتر سياسي في الداخل.
الدعم العربي لم يتأخر بدوره. فقد أكّد سفير قطر الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، في احتفال بمناسبة اليوم الوطني لبلاده، أن الدوحة ثابتة في دعم لبنان، وأنها لم تتوان يوماً عن الوقوف إلى جانبه في الأزمات. وشدد على استمرار الدعم القطري للجيش اللبناني بالتنسيق مع الجانب الأميركي، وعلى التزام قطر بالاستثمار والتنمية والتعليم والصحة. ويأتي هذا الموقف في سياق اهتمام عربي ـ خليجي متجدد بالملف اللبناني، خصوصاً مع الجهود الرامية إلى إعادة ترتيب السلطة واحياء المؤسسات.
أما داخلياً، فبرز موقف حزب الكتائب الذي رفض ما ورد في خطاب نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم حول حصر الحلّ بجنوب الليطاني، معتبراً أن هذا الطرح يناقض اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701، ويؤكد أن هدف سلاح الحزب هو الداخل اللبناني. ورحّب الكتائب بتعيين السفير سيمون كرم رئيساً للفريق المفاوض، واعتبر الخطوة دليلاً على رغبة الدولة في استعادة المبادرة عبر مؤسساتها الشرعية. وجدد الحزب دعوته إلى بسط سيادة الدولة وحصر السلاح بيد القوات المسلحة اللبنانية. هذه المواقف تأتي في وقت تستمر فيه الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، مع غارات ليلية متكررة، فيما تستعد القوى الدولية، وفق مصادر سياسية، لتحرك أكبر بعد الأعياد بهدف وضع جدول زمني واضح لنزع سلاح الحزب وتنفيذ القرار 1701 بشكله الكامل، بالتنسيق مع الجيش والقوة الدولية.



