أخباركم – أخبارنا
من موقعه كأعلى سلطة دينية سنّية في سوريا إلى مثوله في دائرة الجدل، شكّل أحمد بدر الدين حسون ظاهرة دينية وسياسية امتدت لأكثر من عقد ونصف.
واليوم، بعد شائعات عن صدور حكم بإعدامه، يعود اسمه إلى الواجهة وسط تضارب الروايات الرسمية والإعلامية، ليُطرح السؤال: كيف تحوّل مفتي الجمهورية إلى محور قضية غامضة بهذا الحجم؟
من هو أحمد بدر الدين حسون؟
وُلد حسون عام 1949 في حلب، وتخرّج من جامعة الأزهر متخصصًا في الفقه الشافعي.
عرف بخطبه الداعية إلى الحوار والتسامح، قبل أن يُعيَّن في تموز 2005 مفتيًا عامًا للجمهورية العربية السورية خلفًا لأحمد كفتارو.
كان بذلك أول مفتي من خارج دمشق منذ تأسيس المنصب، واعتُبر تعيينه إشارة إلى انفتاح النظام على خطاب ديني أكثر اعتدالًا ومرونة.
دوره الرسمي كمفتي
شغل حسون منصب المفتي العام حتى نوفمبر 2021، عندما أُلغِي المنصب بمرسوم رئاسي، ونُقلت صلاحيات الإفتاء إلى «المجلس العلمي الفقهي الأعلى» في وزارة الأوقاف.
خلال سنواته في المنصب، حمل خطابًا يدعو إلى الوحدة الإسلامية ونبذ الطائفية، وشارك في مؤتمرات عالمية حول الحوار بين الأديان.
لكن مع اندلاع الحرب السورية عام 2011، تحوّل إلى صوت ديني للنظام السوري، مدافعًا عنه في الداخل والخارج، وهو ما جعله شخصية مثيرة للانقسام بين مؤيد ومعارض.
منبر السياسة والدين
بعد مقتل ابنه ساري حسون عام 2011 في كمين قرب إدلب، ازداد تشدده في خطبه، واتخذ مواقف أكثر حدّة تجاه المعارضة.
كانت خطبه تُبث عبر الإعلام الرسمي، حاملة رسائل سياسية بقدر ما كانت دينية، مما عزّز صورته كـ«مفتي الدولة» لا كمفتي الأمة.
وقد منحه النظام مساحة واسعة، قبل أن تتوتر علاقته تدريجيًا بوزارة الأوقاف، خصوصًا مع الوزير محمد عبد الستار السيد، وصولًا إلى إلغاء المنصب ذاته عام 2021.
من الإفتاء إلى التحقيق… مفصل غامض في حياته
في مارس 2025، تناقلت وسائل إعلام عربية خبر توقيف حسون في مطار دمشق الدولي أثناء محاولته السفر للعلاج في الأردن.
وأشارت تقارير إلى صدور مذكرة توقيف بحقه دون إعلان رسمي عن التهم، ما أثار كثيرًا من التكهنات.
لاحقًا، ظهرت منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث عن تنفيذ حكم إعدام بحقه بتهم «فساد أو تجاوزات مالية»، وانتشر الخبر بسرعة في صفحات المعارضة.
الحقائق المؤكدة ونفي الشائعات
التحقيقات الإعلامية المستقلة ومواقع التحقق مثل Verify-Sy أكدت أن الخبر كاذب تمامًا، ولم يصدر أي حكم بالإعدام بحق حسون.
كما نفت وزارة العدل السورية رسميًا في أكتوبر 2025 وجود أي قرار قضائي أو حكم نهائي ضده، مؤكدة أن الملف لا يزال قيد التحقيق.
حتى اليوم، لا توجد دلائل أو وثائق قضائية تثبت صحة رواية الإعدام، وكل ما تم تداوله نُسب إلى “مصادر غير رسمية” أو صفحات مجهولة المصدر.
دوره الفكري والإرث الديني
رغم الجدل، لا يمكن إنكار تأثير حسون في صياغة الخطاب الديني السوري المعاصر.
- دعا إلى «إسلام وطني» يعلو على الانتماءات المذهبية.
- أكّد أن «الدين يجب أن يخدم الوطن لا أن يُستخدم ضده».
- تحدث عن سوريا كمهد للأديان وملتقى للحضارات.
لكن ارتباطه العلني بالنظام أضعف تأثيره المعنوي لدى شريحة كبيرة من السوريين والعلماء المستقلين.
خلاصة المشهد
أحمد بدر الدين حسون هو آخر مفتي عام للجمهورية السورية، ورمز ديني مثير للجدل جمع بين الخطاب الديني والولاء السياسي.
الحديث عن إعدامه ليس سوى شائعة بلا سند قانوني أو قضائي حتى اللحظة، وفق ما أكده أكثر من مصدر رسمي ومستقل.
ومع ذلك، تعكس القصة حجم التبدلات العميقة التي طالت المؤسسة الدينية السورية في العقدين الأخيرين، وكيف أصبح رجال الدين جزءًا من الصراع السياسي لا مجرد شهود عليه.
بين منبر الإفتاء وشائعات الإعدام، تبقى سيرة أحمد بدر الدين حسون مرآة لتشابك الدين بالسياسة في سوريا الحديثة.
فهو عالم دين مثقف ومفكر في نظر البعض، ورجل سلطة فقد استقلاليته في نظر آخرين.
أما الحقيقة الأكيدة فهي أن المفتي الذي مثّل لسنوات صوت الدولة في الإيمان والوحدة، أصبح اليوم رمزًا لصراع طويل بين الشرعية الدينية والولاء السياسي في بلد ما زال يبحث عن طريقه إلى التوازن والاستقرار.



