الثلاثاء, يناير 13, 2026
9.7 C
Beirut

الفجوة المالية – القطبة الخفية لمشروع إعادة الهيكلة للقطاع المصرفي في لبنان

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ د. وفيق ريحان

يكاد لبنان يفقد الثقة العالمية بالنسبة لسوء إدارته المالية العامة للدولة، ولسوء أداء القطاع المصرفي والمصرف المركزي سابقًا، ويتعاطى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والدول الصديقة بحذر شديد مع لبنان. على قاعدة وجوب الإستمرار بالإصلاحات المالية والإدارية والقانونية للدولة، التي وصفها المبعوث الأميركي منذ مدة قصيرة ” بالدولة الفاشلة ” وإمتعاض البعض من هذا التوصيف.

وحيث تقدمت الحكومة مؤخرًا بمشروع قانون الإنتظام المالي للدولة الذي لا يمكن السير به قبل رأب الصدع في الفجوة المالية التي أحدثتها المصارف التجارية منذ العام 2018 لأسباب مختلفة، لذلك، تقدمت الحكومة اللبنانية أيضًا بمشروع قانون ” الفجوة المالية ” ليُبنى عليه مشروع إعادة هيكلة القطاع المصرفي الذي لا يمكن الإستغناء عن دوره الحساس في عملية النهوض الإقتصادي والمالي للدولة اللبنانية المتعثرة الأداء على هذا الصعيد، ويدخل ذلك ضمن سياسة الإصلاحات المالية والمصرفية العامة للدولة وفق التوجهات التي فرضتها المنظمات المالية والمصرفية للدولة، والدول الصديقة التي ترغب مستقبلاً بتقديم بعض الدعم والمساعدات المالية للبنان، وفق خطة تنموية واضحة وشفافة ومبنية على دراسات علمية وواقعية، وبعد توفر حالة من الإستقرار الأمني والسياسي التي لا يمكن بدونها السير بالإصلاحات البنيوية والأساسية المتعلقة بإعادة إحياء المؤسسات الرسمية والخاصة المتلقة بإعادة إحياء المؤسسات الرسمية والخاصة ذات الصلة بتنشيط الحالة الإقتصادية والإجتماعية في لبنان، والتي تحتاج بصورة أكيدة إلى قطاع مصرفي ناجح ومسؤول من أجل المساهمة في تلك العملية الإصلاحية الرئيسية في هذه المرحلة، وبعد تسوية أوضاع المودعين في المصارف اللبنانية وفقًا للقوانين المرعية الإجراء، ودون أي إجحاف بحقوقهم المشروعة تمهيدًا لإعادة هيكلة القطاع المصرفي في لبنان بوجه عام.

فما هو مفهوم الفجوة المالية؟

الفجوة المالية في القطاع المصرفي بوجه عام، هو حاصل الفرق بين إجمالي الودائع التي تودع في المصرف التجاري وبين إجمالي القروض التي يقدمها المصرف للمواطنين أو الشركات أو المؤسسات على إختلافها، وعندما يتسع نطاق هذه الفجوة بصورة تراكمية مستدامة تصبح الفجوة كبيرة مما يفقد المصرف القدرة على استيعابها بكافة الطرق والوسائل المتاحة له إداريًا وماليًا ونقديًا ووفقًا للقوانين النافذة. ويجعل المصرف غير قادر على إستمرارية الدفع لأصحاب العلاقة. فما هي الأسباب التي تؤدي إلى ذلك؟

أسباب وجود الفجوة المالية وآثارها المختلفة:

تحدث الفجوة المالية في المصارف التجارية للأسباب التالية:

  1. وجود صعوبة في تلبية حاجات العملاء بسبب النقص الحاد في السيولة النقدية، بحيث يزداد الطلب على القروض في ظل ظروف إقتصادية ومالية معينة.
  2. النقص الحاد في عدد الودائع وقيمها المالية أو النقدية بما لا يتناسب بشكل فاضع مع الطلب لتوفير احتياجات العملاء وتلبية طلباتهم، وتردي المزاج العام للعملاء وصولاً إلى فقدان الثقة بالمصرف مما يزيد الأمور تعقيدًا، لأن عامل الثقة هو الأساس في العمل المصرفي، ويعبر ذلك عن سوء إدارة المصرف بشكل خاص.
  3. عندما ترتفع وتيرة التضخم النقدي أو المالي، وتتدهور معه قيمة القروض، بحيث يصبح أيضًا أكثر حذرًا في منح القروض لطالبيها خوفًا من تراجع قيمتها المصرفية في حال استمرار حالة التضخم.
  4. وهو السبب الأبرز والأهم، عندما ترتفع قيمة ومنسوب التحويلات المالية نحو الخارج بأشكالها المختلفة مما يخفض القدرة على تأمين السيولة النقدية المطلوبة من الداخل المحلي. إن بالنسبة للتحويلات نحو المصارف المساعدة في الخارج لتلبية حاجات الإستثمار الخارجية أو بسبب الإستثمار في الخارج لحساب المصرف وهربًا من الأزمات الداخلية.

أما أبرز الآثـــار التي تحدثها الفجوة المالية، فهي تتمثل عمومًا بصعوبة تلبية احتياجات العملاء وهي تؤدي إلى فقدان الثقة تدريجيًا بالمصرف التجاري، وعندما يتسع نطاق الفجوة، تلجأ المصارف عادة إلى تمويل ذاتها عبر رفع سعر الفائدة على الودائع بصورة مطردة. أما إذا أصبحت الفجوة المالية كبيرة وعميقة كما هي الحال في لبنان. فإن ذلك سيؤدي حكمًا إلى زعزعة الإستقرار المالي بما له من إنعكاسات سلبية على مجمل الإقتصاد الوطني بوجه عام.

أسباب هروب الأموال أو ضخ السيولة نحو الخارج:

  1. إستدراك المخاطر المحدقة: عندما تدخل البلاد في الأزمات الإقتصادية والمالية الخانقة، يفضل العملاء تحويل أموالهم نحو الخارج.

حيث تكون فرص الإستثمار أكثر أمانًا وأكثر إنتاجية، ودرءًا للمخاطر الإقتصادية المحتملة مستقبليًا، وحيث يجيز ذلك قانون النقد والتسليف في لبنان، إلاّ بصورة إستثنائية عندما تقرر الحكومة منع تسرّب الأموال نحو الخارج وإقرار قانون “الكابيتال كونترول” لوقف هذا النزيف بقانون تشريعي، أو بتدابير تلجأ إليها بصورة طارئة حاكمية مصرف لبنان بما لديها من صلاحيات على هذا الصعيد وإصدار التعاميم الملزمة والنافذة.

  • الإستفادة من الفرص الإستثمارية في الخارج، لا سيما عندما يتعذر وجود استثمارات محفزة في لبنان، أو البحث عن استثمارات في الأسهم أو السندات العقارية ذات القيمة المضاعفة.
  • تهريب الأموال التي قد تكون محلاً للشبهات بسبب تبييض الأموال، لا سيما عند الشروع بإجراء تحقيقات مالية إدارية أو جزائية معينة، وذلك بأساليب ملتوية وغير قانونية، أو بسبب التهرب الضريبي عليها. أو بسبب تدهور قيمة العملة الوطنية، وإهتزاز الثقة بالمصارف اللبنانية.

وبالنتيجة، لا يمكن وضع حد لعملية تسرب الأموال نحو الخارج إلاّ من خلال تنظيم التدفقات النقدية وفق السياسة المالية والنقدية التي تعتمدها الحكومة ووزارة المالية وحاكمية مصرف لبنان، وإصدار التشريعات القانونية اللازمة. بالإضافة إلى إدخال الإصلاحات الإدارية والمالية المطلوبة على مستوى تشجيع الإستثمارات الداخلية والتي لم تنضج ظروفها بعد في لبنان، وبعد إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتأمين السيولة اللازمة للمصارف التجارية التي سوف يتاح لها الإستمرار في العمل مستقبلاً.

هل كان ممكنًا معرفة قيمة التحويلات السنوية نحو الخارج؟

إن هذا الدور منوط بلجنة الرقابة على المصارف بوجه خاص، وحيث يمكن معرفة قيمة تلك التحويلات من خلال البيانات المالية التي تصدرها لجنة الرقابة على المصارف ومصرف لبنان وفقًا لقانون النقد والتسليف، بحيث تلتزم المصارف بتقديم تقارير دورية شهرية أو فصلية أو سنوية عن التحويلات المالية إلى الخارج. وتمارس لجنة الرقابة هذا الدور لجهة توافق التحويلات المالية مع القوانين والأنظمة النافذة. ووضع الضوابط الإجرائية لتنظيم تلك العمليات في حال وجوبها. ووضع حد للتحويلات المكثفة نحو الخارج عندما تشكل خطرًا على الإستقرار المالي للبلاد. وذلك من خلال وضع سقوف للتحويلات المالية إلى الخارج، ووضع رسوم أو ضرائب مرتفعة عليها في حال وجوبها أيضًا، مع تشديد الرقابة الصارمة على تلك التحويلات في ظروف الأزمات الإستثنائية والطارئة، إلاّ أن ذلك لم يحصل في أسوأ الظروف التي مرت بها أوضاع البلاد المالية والنقدية والإقتصادية، وإن الإشراف الإداري على عمليات التحويل يرتبط بدائرة الرقابة المالية لدى مصرف لبنان على المصارف التجارية، التي ترتبط بها لجنة الرقابة على المصارف. وصولاً إلى إيداع التقارير الدورية لدى حاكمية مصرف لبنان. وبالنتيجة، فإن حركة الأموال نحو الخارج لم تكن مغفلة في أي وقت، وكان ينبغي على حاكمية مصرف لبنان دق ناقوس الخطر. وإعلان الخطر على تدفق تلك التحويلات نحو الخارج، لا سيما خلال الأزمة الأخيرة بدءًا من العام 2019.

هل يتحمل المودعون المسؤولية عن ” الفجوة المالية “؟

يخضع مصرف لبنان لوصاية وزارة المالية، من خلال الرقابة على حساباته وأنشطته بواسطة مفوضية الحكومة لدى هذا المصرف، وإن سوء الإدارة من قبل مصرف لبنان وحاكميته ولجنة الرقابة على المصارف، وسوء الأداء المالي للسياسة المالية لدى الحكومات المتعاقبة، حيث تشرع موازناتها السنوية دون قطع الحسابات المالية، ودون إعتماد السياسة الإقتصادية والإستثمارية والإنمائية في تلك الموازنات، هو السبب الحقيقي للإخفاقات والأزمات الإقتصادية المستمرة منذ أكثر من خمس عشرة سنة متتالية، والإعتماد الدائم والمستمر على الإستدانة من أموال المصارف المودعة لدى مصرف لبنان، بنسبة تجاوزت أحيانًا ( 90% ) من أموال المودعين. وذلك دون الإلتزام بسداد تلك الديون في مواعيدها، وصولاً إلى عدم السداد بصورة مطلقة، فهل يعقل بعدها إلقاء عبء سوء الإدارة لدى مصرف لبنان ووزارة المالية والحكومات المتعاقبة على المودعين ومساهمتها وانعكاساتها السلبية على الأوضاع الإقتصادية والمالية والنقدية والإجتماعية، وبعدما تحمل المودعون وِزر تلك السياسات الخاطئة خلال ست سنوات متتالية، أن نبحث اليوم في تحميل المودعين نسبًا معينة من أخطاء المنظومة المصرفية وسوء الإدارة المالية للدولة بكافة أجهزتها الإدارية والمالية والقضائية، وإهمال ضمان الودائع لأكثر من مليون مودع محلي أو مغترب أو خارجي، إن لفي ذلك عبئًا إضافيًا عليه. بل جريمة إضافية تضاف إلى الإرتكابات السابقة وتجاوز القوانين النافذة، إما سعيًا وراء الربح غير المشروع على حساب المودعين من قبل المصارف التجارية، وإما تغطية لجريمة السطو على أموال المودعين بطرق غير مشروعة.

(يتبع)

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

سليم عون: ضد اي تمديد أو تأخير في موعد الانتخابات

أخباركم - أخبارنا أشار النائب سليم عون إلى أن "قانون الانتخابات النافذ يتيح تصويت المغتربين...

استئناف الرحلات المدنية إلى مطار سيئون بعد إعادة تشغيله إثر الأحداث الأخيرة

أخباركم - أخبارناوصلت، اليوم الثلاثاء، أول رحلة مدنية إلى مطار سيئون الدولي في محافظة...

الهجري يدعو إلى كيان درزي مستقل في السويداء برعاية إسرائيلية

أخباركم - أخبارناأعرب الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا ​الشيخ حكمت الهجري​،عن تطلعه...

الكنيست يصادق على مشروع قانون يقضي بإنشاء محكمة عسكرية خاصة بقضايا المقاتلين الفلسطينيين

أخباركم - أخبارناصادق الكنيست عند منتصف الليل بالقراءة الأولى على مشروع قانون يقضي بإنشاء...

More like this

إيران على حافة التحوّل: حراك بلا قائد ومأزق نظام

أخباركم - أخبارنا مقابلة مع د. آسو حسن زاده أجراها مسعود محمد يشهد الشارع...

علي حمادة لموقعنا: ما قاله الرئيس عون عن السلاح أبلغه  لحزب الله أكثر من مرة.. لكن الحزب كان يستغل صمته

أخباركم - أخبارنا اعتبر الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة، انه بمناسبة مرور سنة على انتخاب...

لا الحرس الثوري ولا عودة الشاه… لماذا يرفض الإيرانيون البدائل المفروضة؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد ليست إيران اليوم ساحة صراع بين نظامٍ ومعارضة تقليدية،...